إلى الحس ، وأظهر عنده من السماوات العلى وهو جمع العليا تأنيث الأعلى . ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسبما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال :
شرح
الفراء : أي أبرزناها حتى تظهر إليها الكفار . فخم القرآن المنزل بذكر ما يدل على عظمة منزله ترغيبا في تدبره والعمل بمدلوله ، فإن قيل : لم عطف الجمع على المفرد في قوله تعالى :مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِمع أن الأولى رعاية التطابق بين المعطوف والمعطوف عليه ؟ أجيب بأن الألف واللام إذا دخل في اسم غير علم مفردا كان أو جمعا يصرف التعريف إلى الجنس إذا لم يمكن حمله على المعهود وإن أمكن فلا ، ولا وجه لحمل تعريف السماوات على الآحاد المعدودة فتعين صرفه إلى الجنس ، فليس في الكلام عطف الجمع على المفرد بل فيه عطف على الجنس ، وفيه رعاية التطابق .
قوله : ( ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات ) بيّن وجه ارتباط قوله تعالى :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىبقوله :خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِوجعل قوله :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِاستئنافا لبيان طريق خلق ما ذكره وقوله : « بأن قصد العرش » متعلق بقوله : « إحداث الكائنات وتدبير أمرها » على طريق التنازع وهو يشعر بأنه حمل العرش على الذي تحمله الملائكة ويحفون حوله ، وحمل الاستواء على العرش على القصد إليه إلا أنه عدى ب « على » لتضمينه معنى الاستيلاء والظهور كما قيل في قوله تعالى :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ[ البقرة : 29 ؛ فصلت : 11 ] معناه ثم قصد . وأشار إلى وجه تخصيص العرش بالذكر مع أن الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى جميع الكائنات بقوله : « بأن قصد العرش » فأجرى منه الأحكام وأنزل منه الأسباب . والقصد المسند إلى اللّه تعالى ليس المراد به حقيقة القصد لأنه اسم للإرادة باعتبار الحدوث وإرادته تعالى منزهة عنه ، بل هو استعارة تبعية . شبه خلق السماء بعد خلق ما ذكر قبله بمباشرة الخلق فعلا بعد فعل آخر فإنها تكون مسبوقة بالقصد الحادث ، فعبّر عن تعلق الإرادة الأزلية بخلق السماء بالاستواء بمعنى القصد فاشتق منه لفظ استوى . وفي الصحاح : المساواة بين الشيئين المعادلة بينهما تقول : سوّيت الشيء فاستوى أي عدلته فاعتدل ، واستوى على ظهر دابته أي استعلى واستقر عليه ، واستوى إلى السماء أي قصد ، واستوى على كذا ظهر . قال الشاعر :قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراقانتهى . وقد تمسك المشبهة بهذه الآية في أن معبودهم جالس مستقر على العرش وهو باطل بالعقل والنقل . واختلف أهل الحق في تأويل هذه الآية ، فقال بعضهم . إنّا نقطع بأن