وفشوه في الشعر باشتعالها ، ثم أخرج مخرج الاستعارة وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة وجعله مميزا إيضاحا للمقصود . واكتفى باللام عن الإضافة للدلالة على أن علم المخاطب يتعين المراد يغني عن التقييد .
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
( 4 ) بل كلما دعوتك استجبت لي . وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة ، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتادا فإجابته معتادة ، وأنه تعالى عوّده بالإجابة وأطمعه فيها ، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه .
شرح
فإن قيل : اللفظ المستعار في الاستعارة التخييلية يجب أن لا يتحقق معناه لا حسا ولا عقلا بل يكون معناه صورة وهمية محضة كلفظ الأظفار ، فإن الوهم اخترع للمنية صورة شبيهة بصورة الأظفار المحققة ثم عبر عن تلك الصورة الشبيهة باسم المشبه به وهو الأظفار فمعناه :
صورة وهمية لا تحقق لها حسا ولا عقلا والمعنى : الذي عنى بلفظ اشتعل ليس صورة وهمية بل هو أمر ثابت للشيب . فالجواب : إن الاشتعال بمعنى الانتشار والنشور أمر محقق ثابت للشيب حسا إلا أن الاشتعال الحقيقي الذي هو من لوازم المشبه وهو الشواظ إنما ثبت له باختراع الوهم ، وهذا القدر كاف في كونها استعارة تخييلية وقرينة للاستعارة بالكناية وكونها صورة وهمية لا تحقق لها حسا ولا عقلا . قوله : ( وأسند الاشتعال إلى الرأس ) يعني أن الاشتعال بمعنى الانتشار والنشور حقه أن يسند إلى الشيب لأنه من الصفات القائمة به ، لكنه أسند إلى مكان الشعر الذي هو محل الشيب للمبالغة في الدلالة على شمول اشتعال الشيب . واعلم أن أصل الكلام المتعارف الأوساط في هذا المقام أن يقال : إني شخت عدل عنه إلى ما هو أبلغ منه وهو : شاب رأسي لأنه كناية عن الشيخوخة والكناية أبلغ من التصريح . ثم عدل عنه إلى ما هو أبلغ وهو : اشتعل شيب رأسي فإنه أبلغ من : شاب رأسي إذ ليس فيه تعريض لانتشار الشيب . ثم عدل عنه إلى ما هو أبلغ وهو : اشتعل رأسي شيبا فإنه أبلغ من قولك : اشتعل شيب رأسي من جهات : إحداها إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال ، إذ وزن اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزن اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا ، والفرق بيّن . وثانيتها ما في التمييز من التفصيل بعد الإجمال ، وثالثتها تنكير « شيبا » لإفادة الكمال . ثم عدل عنه إلى ما هو أبلغ وهو : اشتعل الرأس شيبا لما فيه من مزيد التقرير لأن التعويل فيه على شهادة العقل دون اللفظ ، فلما اشتمل الكلام على هذه اللطائف ترقى إلى أعلى درجات البلاغة . قوله : ( إيضاحا للمقصود ) فإن « شيبا » تمييز منقول من الفاعلية إذ الأصل اشتعل شيب الرأس ، فلما قصد سلوك طريق التفصيل بعد الإجمال أبهم ما هو المشتعل حقيقة ثم ميز بقوله :شَيْباًلتعين أن المشتعل هو الشيب .
قوله : ( بل كلما دعوتك ) إشارة إلى أن قوله :بِدُعائِكَمن إضافة المصدر إلى