إليه فكيف وهم يودونه كل ساعة . وقيل : تدهشهم أهوال القيامة فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا ذلك . والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك : حلف باللّه ليفعلن
ذَرْهُمْ
دعهم
يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
بدنياهم
وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ
ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد .
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
( 3 ) سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه . والغرض إقناط الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من إرعوائهم وإيذانه بأنهم
شرح
الإسلام لكنها صورت بالقلة لكون التقليل أبلغ في التهديد والمعنى : إن ودادتهم الإسلام وتمنيهم ذلك لو كانت قليلة بل مرة لوجب مسارعتهم إلى الإسلام فكيف إذا كانت كثيرة مستمرة في كل ساعة ؟ وقوله : « فبالحري » مبتدأ « وأن يسارعوا » خبره والباء زائدة كما في قولك : بحسبك درهم والتقدير : فالحري أي الحقيق المسارعة إليه . والفاء في « فكيف » جواب شرط محذوف تقديره إذا كفى ودادتهم مرة في المسارعة إلى الإسلام فكيف لا يسارعون إليه . والحال أنهم يودون في كل ساعة فإن قلت : قوله : « يود » لا بد له من مفعول فما مفعوله ؟ فالجواب أنه محذوف أي يودون إسلامهم فحينئذ تكون كلمة« لَوْ »في قوله :لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَامتناعية ويكون جوابها محذوفا تقديره : لو كانوا مسلمين لسروا بذلك وتخلصوا مما هم فيه . ويحتمل أن تكون « لو » مصدرية لوقوعها بعد فعل دال على معنى التمني فحينئذ يكون المصدر المأول مفعولا « ليود » أي يودون كونهم مسلمين . وقد ذكر في « شرح الرضي » أن كلمة« لَوْ »في قولهم :يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْبأدون بمعنى « أن » المصدرية وليست بشرطية لمجيئها بعد فعل دال على معنى التمني : وهذا على تقدير أن تكون « ما » كافة . وأما إن جعلتها نكرة موصوفة فحينئذ يكون مفعول « يود » ضميرا محذوفا يعود إلى النكرة الموصوفة وتكون « لو » المصدرية مع ما في حيزها بدلا من « ما » .
قوله : ( وقيل تدهشهم أهوال القيامة ) أي قيل في وجه تقليل ودادة الكافر الإسلام : إن غلبة الدهشة عليهم تجعلهم مبهوتين متحيرين بحيث تمنعهم غلبة الحيرة عليهم من تمني الإسلام إلا في زمان إفاقتهم عما هم فيه من الفكرة والدهشة . ومن المعلوم أن زمان إفاقتهم في غاية القلة فلا جرم تقل ودادتهم الإسلام . قوله : ( والغيبة في حكاية ودادتهم ) يعني أن قوله تعالى :لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَحكاية لودادتهم بقول مقدر والتقدير : يود الذين كفروا قائلين لو كانوا مسلمين . فالظاهر حينئذ أن يقال : لو كنا مسلمين لتكون الحكاية مطابقة للمحكي إلا أنه جيء بها على لفظ الغيبة لتطابق اللفظ الذي ذكر قبلها وهو قوله :الَّذِينَ كَفَرُواواعلم أن قوله تعالى :رُبَما يَوَدُّالذيكَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَإلى قوله :وَما يَسْتَأْخِرُونَ[ الحجر : 5 ] جملة معترضة بين قوله :الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍوبين قوله :يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ[ الحجر : 6 ] فإنه تعالى لما بالغ في وصف