تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ
أي أرضهم وديارهم كقوله تعالى :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا
وقرىء « ليهلكن » و « ليسكننكم » بالياء اعتبارا « لأوحى » كقولك : أقسم زيد ليخرجنّ .
ذلِكَ
إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين .
لِمَنْ خافَ مَقامِي
موقفي ، وهو الموقف الذي
شرح
ثم إن الأنبياء لما أجابوا عن شبهات الكفرة بتلك الأجوبة ، فالظاهر أن الكفرة أخذوا في السفاهة وتخويف الأنبياء ووعيدهم فعند ذلك قالت الأنبياء عليهم السّلام : لا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم بل نتوكل عليه ونعتمد على فضله ونقطع رجاءنا عما سوى اللّه تعالى . إلا أنهم عمّموا الأمر بالتوكل حيث قالوا :وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَللإشعار بأن موجب التوكل هو الإيمان وقصدوا بلفظ المؤمنين أنفسهم قصدا أوليا بدليل قولهم :وَما لَناأن لانَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِأي في أن لا نتوكل فحذف الجار وأوصل الاستقرار الذي تعلق به قوله :لَناإلى قوله : ( أن لا يتوكل ) بعدما علمنا أن الأمور كلها بيده . فإن من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مقام الإخلاص والمكاشفة والمعارف الربانية يقبح له أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق سواء كان فلكا أو ملكا أو روحا أو جسما . ثم إنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السّلام أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه ، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وأقسموا على أنهم ليخرجن الأنبياء واتباعهم من أرضهم أو ليعودن في ملتهم . وإنما قدروا على تفوه هذه المقالة القبيحة بناء على أن أهل الباطل في كل زمان يكونون كثيرا بالنسبة إلى أهل الحق وأنهم يتعاضدون ويتعاونون في تمشية أباطيلهم ، فلهذا السبب قدروا على هذه السفاهة . ولما ورد أن يقال : قولهم :أَوْ لَتَعُودُنَّيوهم أن الأنبياء كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يصح أن يقال : لتعودن في ملتنا . أجاب عنه أولا بأن العود هنا بمعنى الصيرورة واستعمال عاد بمعنى صار كثير في كلام العرب . وثانيا بأن الخطاب وإن كان مع الرسل ظاهرا إلا أن المقصود بهذا الخطاب كل رسول مع اتباعه وأصحابه فغلب اتباع الرسل على أنفسهم في حكم العود . فقيل :أَوْ لَتَعُودُنَّإذ الظاهر أن الأتباع كانوا قبل ذلك على دين أولئك الكفار ، ومع هذا أن من قال :أَوْ لَتَعُودُنَّهم الكفار ولا يجب أن يكونوا صادقين في كل ما قالوه فلعلهم توهموا كون الأنبياء على ملتهم أولا بناء على أنهم نشأوا في بلاد الكفر وما أظهروا مخالفة الكفار ، فلذلك ظن الكفرة أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فقالوا :أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِناولما ذكر الكفار هذه السفاهة قال اللّه تعالى :فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْبفاء التعقيب الدالة على أن هذا الموحى لم يتأخر عن سفاهتهم . قوله : ( موقفي ) يعني أن المقام يحتمل أن يكون اسم مكان الوقوف . والمعنى ذلك الأمر حق لمن خاف مكان الوقوف بين يدي يوم