تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
سؤالهم كان استفسارا ولم يكن اعتراضا وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه ، وإظهار لشكر نعمته بما عرّفهم وكشف لهم ما اعتقل عليهم ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه . وسبحان مصدر كغفران ولا يكاد يستعمل إلّا مضافا
شرح
يسأله . وثانيهما الإشعار بأنه قد بان لهم ما كان خفي عليهم من فضيلة الإنسان المعني التي استحق بها الاستحلاف وإقامة المعدلة بين العباد ، فإن اعترافهم بعجزهم عن الإنباء المذكور مع علمهم بقدرة آدم عليه السّلام عليه يشعر بأنه قد بان لهم ذلك فظهر أنهم إنما أوردوا تلك الجملة الخبرية للإشعار بالأمرين المذكورين . والثالث أنهم قصدوا بإيراد الجملة المذكورة إظهار شكر نعمته تعالى بتعريفه إياهم وكشفه لهم ما اعتقل عليهم أي خفي وانعقد واشتبه عليهم من حال الخليفة ووجه استحقاقه للخلافة وإن كان إيرادها طريقا إلى إظهار شكر نعمته تعالى ، لأن التسبيح ثناء للّه تعالى بتنزيهه عما لا يليق بعظمة جلاله . والعبادة مطلقا قولية كانت أو فعلية شكر للّه تعالى بمقابله نعمته فإن قيل : إن فضيلة الإنسان إنما بانت لهم بعد ما قال تعالى لآدم عليه السّلام :يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ[ البقرة : 33 ] فأنبأهم بها فكيف يصح أن يكون قولهم قبل ذلك إشعارا بأنه قد بان لهم ما كان خفي عليهم من فضيلة الإنسان وإظهارا لشكر نعمة تعريفه تعالى إياهم بذلك ؟ فالجواب تسليم أن ظهور فضيلة الإنسان متأخر عن إنباء آدم عليه السّلام بالأسماء المذكورة إلا أن ذلك لا ينافي كون قول الملائكة قبل إنباء آدم بهاسُبْحانَكَالآية مشعرا بأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان ، بل هو مشعر به لأن تنزيه اللّه تبارك وتعالى عما لا يليق بشأنه يشعر بأن استخلاف آدم يليق بشأنه الأعلى وتقتضيه حكمته الباهرة لما فيه من الفضيلة التي لا يتم أمر الخلافة بدونها . والرابع من الأغراض الأربعة المقصودة بإيراد الجملة الخبرية مراعاة الأدب بسلب العلم عن أنفسهم وتفويضه إلى جناب كبريائه ، فإن اعتراف العالم بالجهل من كمال التواضع والتذلل . قيل لبعض الحكماء : ما أعظم التواضع ؟ فقال : الاعتراف بالجهل من العالم . قوله : ( وسبحان مصدر كغفران ) من السبح وهو التباعد . قال تعالى :إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًاأي تباعدا طويلا وسعة ذهاب ، وسبحته عن كذا أي نزهته وبعدته ، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله . فمعنىسُبْحانَكَنسبك تسبيحا أي ننزهك تنزيها : كمعاذ اللّه وريحان اللّه وعمرك اللّه فإن كل واحد منها مصدر منصوب بإضمار فعل أي أعوذ باللّه معاذا واسترزقه استرزاقا ، والريحان الرزق ، وعمرك اللّه أي طول عمرك ، وقد يستعمل علما للتسبيح . فإن العلمية كما تجري في الأعيان تجري في المعاني أيضا فتقطع عن الإضافة لأن الأعلام لا تضاف فتمنع من الصرف للعلمية ، والألف والنون المزيدتين كما في بيت الأعشى :