بلده وقد قرىء به . والظاهر أن المراد به الاسم وإن أريد به المصدر على حذف مضاف ، أي وقودها احتراق الناس والحجارة وهي جمع حجر كجمالة جمع جمل وهو قليل غير منقاس . والمراد بها الأصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعا في شفاعتها والانتفاع بها واستدفاع المضارّ بمكانتها ، ويدل عليه قوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 98 ] عذّبوا بما هو منشأ جرمهم كما عذب
شرح
الأصل فيجب إغلاق بابه بقدر الإمكان . قال المصنف في أصوله المسمى بالمنهاج : إذا تعارض احتمالا الاشتراك والمجاز يرجح المجاز على الاشتراك لكثرة المجاز بالنسبة إلى المشترك ، ولأن المجاز إنما يحتاج إلى القرينة عند استعماله في المعنى المجازي ، والمشترك يحتاج إليها في جميع استعمالاته . قوله : ( وقد قرىء به ) أي بضم الواو . والظاهر أن ما قرىء بالضم اسم معناه ما يتوقد به مجازا لغويا استعمالا للمصدر بمعنى المفعول كما يقال :
فخر قومه ويراد ما يفتخرون به ، فإن المصدر لو كان على حقيقته لكان اسم الذات خبرا عن المعنى ولوجب أن يحمل الكلام على حذف المضاف . والتقدير وقودها وارتفاع لهبها هو احتراق الناس إلا أن حمل الاحتراق على التوقد ب « هو » هو يحتاج إلى توجيه لأن الاحتراق صفة الناس ، والحجارة والتوقد صفة النار فلا يكون أحدهما هو الآخر حقيقة إلا أن احتراقهما لما كان سببا لتوقد النار حمل على توقدها حمل « هو » هو مبالغة في سببيته للتوقد .
كأنه قيل : ليس توقدها إلا بسبب احتراقهما ، كما إذا قيل : الشبع الأكل يكون المعنى أن الشبع يكون بسبب الأكل . قوله : ( وهو قليل غير منقاس ) يعني أن جمع فعل بفتحتين على فعالة نادر مبني على السماع ولا يجري فيه القياس بل مداره اتباع الاستعمال الوارد في كلام الفصحاء مثل : جمل وجمالة وذكر وذكارة . وفي الصحاح : الحجر جمعه في القلة أحجار وفي الكثرة حجارة وحجار ، كقولك : جمل وجمالة وجمال وهو نادر وغير منقاس من قست الشيء على غيره فانقاس . قوله : ( وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها ) فيه إشارة إلى جواب ما يقال : لم قرن الناس بالحجارة وجعلت معهم وقودا ؟ وتقريره أنهم لما قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناما وجعلوها للّه أندادا وعبدوها من دونه قرنت هي بأنفسهم في قوله تعالى :وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُوفي قوله تعالى :إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ[ الأنبياء : 98 ] والحصب ما يحصب به في النار أي يرمى به ، كذا في الصحاح . قوله : ( بمكانتها ) أي بقربها ومنزلتها عند اللّه تعالى فإن الشفيع إنما يشفع ويدفع عن المشفوع لمكانته ومنزلته عند من يشفع إليه . قوله : ( ويدل عليه ) أي على أن المراد بالحجارة هي الأصنام . وجه الدلالة أن المراد بالضمير المنصوب في قوله تعالى :إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ[ الأنبياء : 98 ] هو المشركون وقد عطف عليه