شرح
الأفعال الخاصة لقصد الإيجاز حيث أوقع الفعل وحده موقع الفعل المقيد وهو الإتيان مع ما يتعلق به . قوله : ( ونزل لازم الجزاء منزلته على سبيل الكناية ) الجزاء الحقيقي هو وجوب الإيمان وترك العناد ، فإنه المترتب على اجتهادهم جميعا في معارضته وعجزهم عنها .
والمراد بلازمه هو اتقاء النار المعدة لتكذيب المكذب ، فإنه لازم لترك العناد فأطلق هذا اللازم لينتقل منه إلى ملزومه الذي هو التحلي بحلية الإيمان . فقيل : فاتقوا النار بدل أن يقال فآمنوا ، واتركوا العناد على سبيل الكناية التي هي الانتقال من اللازم إلى الملزوم ، على ما ذهب إليه السكاكي ، واحتيج إلى تقدير الجزاء . ولم يجعل قوله :فَاتَّقُوا النَّارَجزاء حقيقة لأن اتقاء النار واجب مطلقا لا يتوقف وجوبه على شرط فلا وجه لتعليقه على عدم إتيانهم بسورة من مثله ، ولا يجعل عدم الإتيان بها شرطا لاتقاء النار لأن حق الشرط أن يكون ملزوما للاتقاء فلم يصلح قوله :فَاتَّقُوالأن يكون جزاء حقيقة ، فلذلك قدر ما يصلح للجزائية وجعل المذكور الذي هو لازم للمقدر منزلا منزلته وقائما مقامه على سبيل الكناية .
قوله : ( تقريرا للمكنى عنه ) علة لتنزيل قوله :فَاتَّقُوا النَّارَمنزلة فآمنوا واتركوا العناد على سبيل الكناية عنه فإن الكناية لما كانت عبارة عن ذكر اللازم المساوي للشيء لينتقل منه إلى ذلك الشيء الملزوم له ، وكان وجود اللازم دليلا على ملزومه كان سلوك الكناية بمنزلة إثبات الملزوم ببينة فكان تقريرا للمكنى عنه ، فكان قوله :فَاتَّقُوا النَّارَأبلغ من أن يقال : فآمنوا لكون إيجاب الاتقاء إيجابا للإيمان التزاما لامتناع تحقق الاتقاء بدون الإيمان . قوله :
( وتهويلا لشأن العناد ) وجه ثان لاختيار سبيل الكناية . وتقريره أنه لما أمر بالإيمان بالمنزل وترك العناد في حقه في صورة اتقاء النار وعبر به عنه ، فهم منه أن العناد وعدم الإيمان بمنزلة الاحتراق بالنار بحيث إذا أريد أن يعبر عنه يعبر بمقاساة عذاب النار في ذلك تهويل لشأن العناد وتخويف عظيم منه .
قوله : ( وتصريحا بالوعيد ) وجه ثالث له وتقريره أنه لو لم يسلك سبيل التصريح وقيل :
ظهر أنه معجز وأن التصديق به واجب لما فهم وعيد المعاندين إلا بالالتزام ، بخلاف قوله :فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُفإنه صريح في أن وعيد من لم يصدق به هو النار الموصوفة . قوله : ( مع الإيجاز ) متعلق بقوله : « وتصريحا » فإن الوعيد وإن أمكن مع عدم سلوك التصريح إلا أنه حينئذ يفوت الإيجاز . قوله : ( وصدّر الشرطية بأن التي للشك ) أي لشك المتكلم وعدم قطعه بأحد طرفي النسبة . فقد مر أن كلمة « إذا » موضوعة لزمان مستقبل يكون طرفا لحدث مقطوع الوقوع في اعتقاد المتكلم ، وأن كلمة « إن » أداة لشرط مشكوك الوقوع في المستقبل ، واللّه تعالى منزه عن الشك وعالم بعجزهم عن معارضته فكان