تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( مع حواشي الغزنوي ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
أَمْ
« 1 »
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ :
من غير رب ، ومحدث أي : لا خالق لهم ، أو من أجل لا شيء أي : عبثا ،
أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ :
لأنفسهم ، فلذلك لا يسمعون كلام خالقهم ولا رسالته ،
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ :
يشكون حين يقولون اللّه خلقهن ، فإنهم لو أيقنوا لما أعرضوا عنه ،
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ :
خزائن قدرته ،
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ :
الغالبون على الأشياء المحاسبون للخلائق ،
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ :
منصوب إلى السماء ،
يَسْتَمِعُونَ
أي : ما يجرى في السماء ،
فِيهِ
أي : صاعدين فيه فيعرفون حقية ما هم عليه ،
فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ :
حجة
هامش
( 1 ) قوله تعالى :" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ "في الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في أسارى بدر قال : وجدت النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - يقرأ في المغرب بالطور ، فلما سمعت هذه الآية" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ "أحسست بفؤادي قد انصدع ، وذلك لأن هذا تقسيم حاضر ذكره اللّه تعالى بصيغة استفهام الإنكار ليبين هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها يقول : أم خلقوا من غير شيء أي : من غير خالق خلقهم ، أم هم خلقوا أنفسهم وهم يعلمون أن كلا النقيضين باطل فتعين أن لهم خالقا خلقهم سبحانه وتعالى ، فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه ، وهذا من أظهر المعارف الضرورية ، فإن الإنسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد في ذاته عضوا ولا قدرا ، فلا يقصر الطويل ، ولا يطول القصير ، ولا يجعل رأسه أكبر مما هو ، ولا أصغر ، وكذلك أبواه لا يقدران على شيء من ذلك ، ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لا بد له من محدث ، وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان فإن الصبى لو ضربه ضارب ، وهو غافل لا يبصره لقال : من ضربني ؟ فلو قيل له : لم يضربك أحد لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير حادث ، بل : يعلم أنه لا بد للحادث من محدث ، فإذا قيل : فلان ضربك بكى حتى يضرب ضاربه ، وكأن في فطرته الإقرار بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ، ولهذا قال اللّه تعالى :" أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ "هذا ما لخصت من كلام شيخ الإسلام أبى العباس بن تيمية في شرح حديث النزول / 12 .