الإحسان عنهم طلبا لمرضاة اللّه وتثبيتا لهم على دينه وطاعته وتشويقا منهم إلى لقائه نزل في حقهم وفق ما نووا
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ
اى ما نطعمكم أيها المطعمون المحتاجون الا
لِوَجْهِ اللَّهِ
الكريم وطلبا لمرضاته إذ
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً
ليصير عوضا لا طعامنا لا في الدنيا ولا في الآخرة
وَلا شُكُوراً
بان تدعوا أنتم لنا الأجر بل ما نطعمكم الا من مال اللّه يا عيال اللّه خالصا لوجهه الكريم ما لنا مع الشكر والجزاء امر وشأن وكيف يتأتى منا طلب الشكر والجزاء إذ قدرتنا على الإطعام أيضا انما هو باقدار اللّه إيانا واعطاؤنا انما هو من عطاياه حقيقة وبالجملة
إِنَّا نَخافُ
بطلب الأجر والجزاء
مِنْ
غضب
رَبِّنا يَوْماً
وأي يوم يوما
عَبُوساً
تعبس فيه مطلق الوجوه من شدة هوله وحزنه بل قد صارت كل الوجوه
قَمْطَرِيراً
في غاية الشدة والعبوسة سيما على أهل الرياء والسمعة الطامعين بصدقاتهم الذكر الجميل والثناء الجزيل مع أنهم انما يعطون من مال اللّه لعيال اللّه وبعد ما أخلصوا للّه وخافوا من عذابه
فَوَقاهُمُ اللَّهُ
الحكيم العليم الحفيظ
شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ
اى قد رفع عنهم شره وأبدله لهم خيرا
وَلَقَّاهُمْ
اى لقى لهم يومئذ
نَضْرَةً
طراوة وصفاء في وجوههم
وَسُرُوراً
وبهجة في قلوبهم
وَ
بعد ما فعلوا ما فعلوا خالصا لوجه اللّه
جَزاهُمْ
سبحانه
بِما صَبَرُوا
وحبسوا نفوسهم عن المشتهيات المنهيات والمحرمات بل عن المباحات أيضا وعلى أداء الواجبات وإيثار الأموال والأرزاق المسوقة لهم لطلب المرضات
جَنَّةً
مصورة من صالحات أعمالهم وحالاتهم ومقاماتهم يتلذذون فيها باللذات الروحانية ابد الآباد
وَ
يلبسون فيها
حَرِيراً
متخذا من حلل الأسماء والصفات التي لا يتصور فيها الهول والخشونة أصلا
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ
يعنى مستظهرين فيها بالألطاف الإلهية مستظلين بكنف حفظه وجواره حيث
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً
اى حرارتها المؤذية لهم
وَلا زَمْهَرِيراً
اى البرودة المضرة بهم بل يعتدل فيها الهواء والأهواء لتعديلهم الأخلاق والأعمال والأحوال
وَ
بالجملة ليس ظلال الجنة المذكورة بعيدة عنهم بل قد كانت
دانِيَةً
قريبة
عَلَيْهِمْ ظِلالُها
الموعودة لهم من قبل الحق
وَ
لهم فيها ثمار متجددة متلونة من أنواع المعارف والحقائق اللدنية المترتبة على أشجار الأسماء والصفات الإلهية التي قد اتصفوا بها وتخلقوا بمقتضاها ولا تكون تلك الأشجار وأغصانها وأثمارها بعيدة عنهم آبية سيما بعد ما اتصفوا بمقتضاها بل قد
ذُلِّلَتْ
وسخرت
قُطُوفُها
وثمارها لهم
تَذْلِيلًا
بحيث متى أرادوا تلذذوا بها بلا تردد إذ كمالاتها كلها حينئذ بالفعل بلا انتظار لهم إياها وترقب لها
وَ
لتكميل ترفههم وتنعمهم
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ
متخذة
مِنْ فِضَّةٍ
اى من فضة عقائدهم الصافية البيضاء الشفافة الخالصة عن مطلق الكدورات
وَأَكْوابٍ
اى كيزان لا عروة لها وهي من غاية صفائها وجلائها كأنها
كانَتْ قَوارِيرَا
في الرقة وأية
قَوارِيرَا
متخذة
مِنْ فِضَّةٍ
وهي من غاية صفائها وشفيفها لا يرى لها لون ولا كون بحيث قد اشتبه أمرها عند الرائي في بادي الرأي ولذلك
قَدَّرُوها تَقْدِيراً
بمقتضى ما رعوا من الاعتدال والأخلاق والأطوار
وَ
هم
يُسْقَوْنَ فِيها
اى في تلك الجنة الموعودة لهم
كَأْساً
مملوا من خمور المحبة والمودة قد
كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا
اى كالزنجبيل في المساغ وسرعة الانحدار يعنى
عَيْناً
جارية
فِيها
مملوة بماء الحياة الأزلية الأبدية السرمدية
تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
لهدايتها وارشادها إلى مشرب التوحيد وبحر الوحدة الذاتية كأنها تلقى وتلقن تلك العين المترشحة من بحر الحياة الأزلية