بجميعها حتى انكشف لك من كل منها بحيث كنت سمعك وبصرك ويدك ورجلك إلى غير ذلك من سائر جوارحك وآلاتك حتى قامت قيامتك الكبرى وقمت بين يدي المولى وتمكنت في جنة المأوى عند سدرة المنتهى التي ينتهى ويرتقى إليها عروجك في الصعود والارتفاع .
ثم قال سبحانه تعليما لعباده وحثا لهم على طلب الانكشاف التام
إِنَّ السَّاعَةَ
اى ساعة الانكشاف التام الذي لم يبق معه ودونه الطلب مثل انكشافك يا موسى
آتِيَةٌ
حاصلة حاضرة لكل أحد من الناس دائما في كل آن لكن
أَكادُ أُخْفِيها
اى أقرب حسب حكمتى ان أخفى ظهورها لهم واطلاعهم عليها
لِتُجْزى
وتتمكن
كُلُّ نَفْسٍ
بمرتبة من المراتب الإلهية
بِما تَسْعى
اى بحسب ما تجتهد فيه وتكتسب من امتثال الأوامر واجتناب النواهي الجارية على السنة الرسل لئلا يبطل سرائر التكاليف واحكام الشرائع
وإذا كان الأمر كذلك
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها
ولا يصرفنك عن الأمر بالانكشاف التام أعراض
مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها
تقليدا حتى يطلبها تحقيقا بل قد أنكرها واعرض عنها
وَاتَّبَعَ هَواهُ
المضل إياه في تيه البعد والحرمان
فَتَرْدى
أنت وتهلك بمتابعته في بيداء الجهل والخذلان
وَ
إذا اخترناك للرسالة العامة وهبنا لك شاهدي صدق على دعواك الرسالة لذلك قد سألناك أولا بقولنا لك
ما تِلْكَ
الخشبة التي حملتها
بِيَمِينِكَ يا مُوسى
المستكشف عن حقائق الأشياء يعنى هل تعرف فوائدها وعوائدها التي تترتبت عليها أم لا
قالَ
موسى بمقتضى علمه بها
هِيَ
هذه الخشبة
عَصايَ
استعمالها في بعض الأمور وفي بعض الأحيان وبالجملة إذا عييت وتعبت
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ
متى احتجت لهش الورق واسقاطه من الشجر لرعى الغنم
أَهُشُّ
وأسقط
بِها
الورق من الشجر ليكون علفا
عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها
غير ذلك
مَآرِبُ أُخْرى
بحسب المحال من الاستظلال ودفع الهوام ومقاتلة العدو وغير ذلك
قالَ
سبحانه
أَلْقِها
من يدك
يا مُوسى
حتى تشهد آياتنا الكبرى
فَأَلْقاها
امتثالا للأمر الوجوبي الإلهي
فَإِذا هِيَ
اى العصا
حَيَّةٌ تَسْعى
تمشى على بطنها مثل سائر الحيات فخاف موسى منها وضاق صدره من قلة رسوخه وعدم تمرنه بابتلاء اللّه واختباراته إذ قد كان هذا في أوائل حاله
قالَ
سبحانه بعد ما ظهر امارات الوجل منه آمرا له
خُذْها
هي عصاك يا موسى المتحير الخائف
وَلا تَخَفْ
من صورتها الحادثة فانا من كمال قدرتنا
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا
وصورتها
الْأُولى
التي هي في يدك قد استعنت بها في بعض أمورك وانما بدلنا صورتها لتنبه أنت على أن لنا القدرة التامة على احياء الجمادات التي هي ابعد بمراحل عن هداية الضالين من الأحياء
وَاضْمُمْ يَدَكَ
أيضا
إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ
ذات شعاع محير للعقول والأبصار
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
مرض وحجاب يسترها وينقص من نورها لتكون لك
آيَةً أُخْرى
اجلى وأجل من الآية السابقة وانما أريناك من الآيات قبل ارسالك إلى من أردنا ارسالك إليهم
لِنُرِيَكَ
أولا
مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى
فيطمئن بها قلبك ويقوى ظهرك
اذْهَبْ
أيها الهادي بهدايتنا وتوفيقنا نيابة عنا
إِلى فِرْعَوْنَ
الطاغي الباغي المضل المغوى المستغرق في بحر العتو والعناد
إِنَّهُ طَغى
وظهر علينا مستكبرا بقوله لضعفة عبادنا انا ربكم الأعلى فبلغ عنا انذاراتنا وتخويفاتنا وزد عليها من الدلائل العقلية والكشفية لعله يتنبه بها وينزجر بسببها عما عليه من العتو والعناد
وبعد ما سمع موسى خطاب اللّه إياه
قالَ
مشمرا الذيل إلى الذهاب طالبا التوفيق من رب الأرباب
رَبِّ
يا من رباني بأنواع اللطف والكرم وأعطاني الآيتين العظيمتين لتكونا شاهدين