جميع
مَنْ تَدْعُونَ
وتستغيثون منه لو كنتم في البر وما بقي معكم من الأمتعة والبضاعات التي تتوسلون بها لإنقاذكم حال كونكم في البر
إِلَّا
استعانتكم واستغاثتكم
إِيَّاهُ
سبحانه فإنه بذاته لا يغيب عنكم ولا يفارقكم بحال من الأحوال إذ هو أقرب إليكم من حبل وريدكم فما تستغيثون ولا تستعينون إلا منه إذ لا مغيث لكم سواه حينئذ
فَلَمَّا نَجَّاكُمْ
وخلصكم سبحانه عن تلك المضايق الهائلة وأوصلكم
إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
عنه سبحانه وصرتم متعلقين بما معكم من الأمتعة والاعراض
وَ
بالجملة قد
كانَ الْإِنْسانُ
في أصل فطرته خلق
كَفُوراً
لأنعم اللّه هلوعا إذ امسه الشر جزوعا نحو الحق وإذ امسه الخير كفورا منوعا معرضا عنه منكرا له
أَ
أعرضتم عنه سبحانه سيما بعد انجائه وإنقاذه إياكم
فَأَمِنْتُمْ
عن قهره وسخطه حين وصلتم إلى البر مع أنه سبحانه قادر على إهلاككم في البر أيضا اما تخافون
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ
اى يقلب عليكم الأرض كما خسفها على قارون
أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
ريحا شديدا
حاصِباً
فيها حصباء نرميكم ونرجمكم بها كما رجمنا قوم لوط
ثُمَّ
بعد ما اخذناكم في البر بأمثال هذه البليات
لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا
حفيظا يحفظكم عن أمثال هذه المصيبات أو يشفع لكم بتخفيفها وكشفها سوى اللّه الواحد الأحد القادر المقتدر القيوم المطلق
أَمْ أَمِنْتُمْ
أيها القاصرون عن ادراك قدر اللّه وكمال قدرته عن
أَنْ يُعِيدَكُمْ
ويلجئكم إلى الرجوع
فِيهِ
اى في البحر
تارَةً أُخْرى
بأسباب ووسائل لا تخطر ببالكم
فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
في الكرة الأخرى لاخذكم وانتقامكم
قاصِفاً
كاسرا
مِنَ الرِّيحِ
لتكسر مركبكم
فَيُغْرِقَكُمْ
فيه
بِما كَفَرْتُمْ
عند النجاة عن مثله في الكرة الأولى
ثُمَّ
بعد ارجاعنا إلى البحر واغراقنا فيه على نحو انعامنا وانجائنا من قبل
لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً
اى لا تجدوا ناصرا ومعينا لكم يظهر علينا ويجترئ باخذنا إياكم وانتقامنا عنكم ويطالب عنا قصاص ما فعلنا بكم إذ لا راد لفعلنا ولا معقب لحكمنا ولا معين ولا مستعان لكم سوانا نفعل ما نشاء ونحكم ما نريد .
ثم قال سبحانه على سبيل الانعام والامتنان
وَلَقَدْ كَرَّمْنا
وفضلنا
بَنِي آدَمَ
بأنواع الكرامة والتفضيل على سائر المخلوقات من حسن الصورة والسيرة واعتدال المزاج واستواء القامة والعقل المفاض المنشعب من العقل الكل الذي هو حضرة العلم الحضوري الإلهي وكذا بالقدرة والإرادة وسائر الصفات المترتبة على الصفات الذاتية الإلهية ليشعر بخلافته ونيابته
وَ
مع ذلك قد
حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ
بركوب النجائب من الخيل والبغال والبعير وغير ذلك
وَ
في
الْبَحْرِ
بركوب الجواري والسفن
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
اى الأطائب التي يكسبونها بأيديهم بمقتضى اقدارنا إياهم واعدادنا لهم أسباب مكاسبهم وأبحنا لهم ما تستلذ به نفوسهم وتشتهي قلوبهم على وفق ما نطق به السنة رسلهم وكتبهم
وَ
بالجملة قد
فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
والقليل المستثنى هم الملائكة المقربون المهيمون المستغرقون بمطالعة جمال اللّه وجلاله وان كان الوالهون الهائمون من افراد الإنسان في ولاء اللّه ومحبته المكاشفون بسر الخلافة والنيابة التي اخبر بها الحق الواصلون إلى مرتبة الفناء الذاتي بالموت الإرادي أفضل منهم أيضا وارفع رتبة ومكانة وانما كرمناهم وفضلناهم بما فضلناهم لحكم ومصالح تقتضيها ذاتنا وهي انا أردنا ان نطالع ذاتنا المتصفة بعموم أوصاف الكمال ونعوت الجمال والجلال في مظهر تام كامل لائق لمرآتيتنا وخلافتنا فاظهرناهم وكرمناهم لأجل هذه الحكمة العزيزة والمصلحة الشريفة فمن لم يبلغ منهم إلى هذه المرتبة العلية والدرجة السنية بسلوكه الذي قد ارشدناه اليه