السرمدي
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
لا يتحولون عنها أصلا وبالجملة
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
لتحققهم بمقام الصدق والإخلاص فيما مضى
وَرَضُوا
أيضا
عَنْهُ
سبحانه لإيصالهم إلى غاية ما جبلوا لأجله بلا ترقب وانتظار
ذلِكَ
الوصول والتحقق هو
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
والفضل العميم لأهل العناية الفائزين من عنده بهذه المرتبة العلية ولا تستبعد عن اللّه أمثال هذه الكرامات سيما مع أرباب المحبة والولاء الباذلين مهجهم في سلوك طريق الفناء فيه
إذ
لِلَّهِ
المستغنى عن عموم الأماكن والأكوان
مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إيجادا واعداما
وَما فِيهِنَّ
من الكوائن والفاسدات فله التصرف فيها بالاستقلال كيف يشاء حسب ارادته واختياره
وَهُوَ
بذاته
عَلى كُلِّ شَيْءٍ
من عموم مراداته ومقدوراته
قَدِيرٌ
فله ان يوصل خلص عباده إلى فضاء فنائه بافنائهم عن هوياتهم الباطلة وابقائهم بهوية الحق الحقيقية السارية في عموم الأكوان في كل يوم وآن وشأن
خاتمة سورة المائدة
عليك أيها المحمدي المتوجه لمرتبة الفناء المثمرة للبقاء الأبدي شكر اللّه سعيك وأوصلك إلى غاية مبتغاك ان تجعل قرينك الرضا في جميع ما جرى عليك من مقتضيات القضاء إذ كل ما يجرى في عالم الكون والفساد انما هو على مراد اللّه وبمقتضى مشيئته وارادته حسب تجلياته الجمالية والجلالية واللطفية والقهرية . والعارف إذا تحقق بمقام الرضا الذي هو نهاية مراتب العبودية فقد خلص عن قيود الإضافات مطلقا ومتى ارتفعت الإضافات لا يشوشه لا السراء ولا الضراء ولا اللذة ولا العناء ولا الفقر ولا الغناء إذ كل ذلك من لوازم الإمكان وامارات البعد والخذلان . فعليك ان تصفى نفسك من جميع الأمراض الباطنة من العجب والرياء والرعونة والهوى وتلازم العزلة والاعراض عن أبناء الدنيا وعن الالتجاء إليهم والمخالطة معهم وتقلل عن حوائجك وحظوظك سوى سد جوعة وكن ولباس خشن كيف اتفق ولك ان تروض نفسك في زاوية الخمول وكهف القناعة ومنزل الفراغة وإياك إياك ان تصاحب مع أهل البدع والأهواء وتراجعهم سيما في الأمور التي تتعلق بالمعاش المستعار وبالجملة كن في ورطة الدنيا كانت غريب ليس لك ألف وموانسة مع من فيها وما فيها أو كعابر سبيل يروح فيها ويغدو بلا تمكن وقرار وبالجملة عد نفسك من أصحاب القبور وافعل فيها مثل ما تشاهد منهم بالنسبة إليها بل موتك الإرادي لا بد ان يكون أعرق في قطع التعلق وترك المألوف عن الموت الصوري لان أكثر الأموات بالموت الصوري يخرجون من الدنيا متحسرين بحسرة عظيمة والعارف المتحقق بمرتبة الموت الإرادي له مسرة عظيمة ولذة دائمة بحيث لو عاد على ما عليه كان يغم غما شديدا بل قد هلك حزنا وكآبة . فلك ان تشمر ذيلك عنها وعن لذاتها بالمرة وتداوم الاستفادة والاسترشاد من كتاب اللّه وأحاديث رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وكذا من ملتقطات المشايخ العظام التي استنبطوها منهما بسعي بليغ وجد تام شكر اللّه مساعيهم وتصرف عنان عزمك عما سواها من الأباطيل الزائغة المنسوبة إلى أصحاب الحجج والاستدلالات الضالين بتغريرات عقولهم القاصرة وتزويرات أوهامهم الخاسرة وخيالاتهم الباطلة عن منهج الحق ومحجة اليقين جعلنا اللّه ممن أيد من عنده فتأيد واطلق عنان عزمه نحو الحق ولم يتقيد بمنه وجوده