تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
المسور بالسور المفصلة بالآيات المنقسمة بالمحكمات والمتشابهات المشتملة كل سورة منها على أحكام الشريعة وآداب الطريقة واسرار الحقيقة فلا بد للخصائص في لجج بحار القرآن . والغائص فيها لاستخراج فرائد اليقين والعرفان . ان يتأمل في كل سورة منها على وجه ينكشف له ما فيه من الأسرار بقدر استعداده وقابليته والا فغوره بعيد وقعره عميق منها سورة البقرة المشتملة أوائلها على الأحكام الشرعية المهذبة للظاهر عن الرذائل الردية والخصال الغير المرضية وأواسطها على آداب الطريقة من الشيم الجميلة والأخلاق الحميدة المصفية للباطن عن الكدورات البشرية وأواخرها على التوحيد الصرف الذاتي الخالص عن شوب الكثرة وشين الثنوية قطعا وانما خصص صلّى اللّه عليه وسلّم بأواخر هذه السورة لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم هو المظهر للتوحيد الذاتي بخلاف الأنبياء السالفة صلوات اللّه عليهم فإنهم لم يظهروه لذلك ختم ببعثته صلّى اللّه عليه وسلّم امر النبوة والرسالة وانسد طريق الوحي والإنزال ثم لما أراد سبحانه ارشاد عباده إلى سبيل الهداية وابعادهم عن طريق الضلال انزل عليهم هذه السورة الجامعة لهما فقال متيمنا متبركا على وجه التعليم مخاطبا لنبيه المبعوث على الخلق العظيم
بِسْمِ اللَّهِ
المتوحد المتفرد المستغنى بذاته عن جميع الأكوان المتلبس بواسطة أسمائه وصفاته ملابس الحدوث والإمكان
الرَّحْمنِ
لعباده الذين هم مظاهر أسمائه وصفاته برش نوره عليهم ومد ظله إليهم في معاشهم
الرَّحِيمِ
لهم في معادهم ينجيهم عن ظلمة الإمكان المعبر عنها بلسان الشرع بالسعير والجحيم ويهديهم إلى روضة الرضى وجنة التسليم

[ الآيات ]

ألم
أيها الإنسان الكامل اللائق لخلافتنا الملازم لاستكشاف اسرار ربوبيتنا وكيفية سريان هويتنا الذاتية السارية على صفحات المكونات المداوم للاستفادة والاستنباط من حضرة علمنا المحيط المنتزع عنها والمأخوذ منها
ذلِكَ الْكِتابُ
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه البعيدة درجة كماله عن افهام البشر الجامع لجميع مراتب الأسماء والصفات في عالم الغيب والشهادة المنزل على مرتبتك الجامعة لجميع مراتب الكائنات من الأزل إلى الأبد بحيث لا يشذ عنها مرتبة أصلا
لا رَيْبَ فِيهِ
بأنه منزل من عندنا لفظا ومعنى اما لفظا فلعجز جماهير البلغاء ومشاهير الفصحاء عن معارضة اقصر آية منه مع وفور دواعيهم واما معنى فلاشتماله على جميع أحوال الحقائق العينية والأسرار الغيبية مما كان وسيكون في النشأتين ولا يتيسر الاطلاع عليها والإتيان بها على هذا النمط البديع الا لمن هو علام الغيوب وانما أنزلناه إليك أيها اللائق لأمر الرسالة والنيابة لتهتدى به أنت إلى بحر الحقيقة وتهدى به أيضا من تبعك من التابعين في بيداء الضلالة . إذ فيه
هُدىً
عظيم
لِلْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ
يحفظون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه نفوسهم عن خبائث المعاصي المانعة عن الطهارة الحقيقية ومن الوصول إلى المرتبة الأصلية التي هي الوحدة الذاتية والذين
يُؤْمِنُونَ
يوقنون ويذعنون باسراره ومعارفه
بِالْغَيْبِ
اى غيب الهوية الوحدانية التي هي ينبوع بحر الحقيقة وإليها منتهى الكل وبعد ذلك يتوجهون بمقتضيات أحكامها نحوها ويهتدون إليها بسببها
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
اى يديمون الميل بجميع الأعضاء والجوارح على وجه الخضوع والتذلل إلى جنابه إذ هو المقصد للكل اجمالا وتفصيلا ولكل عضو وجارحة تذلل خاص وله طريق مخصوص يناسبه يرشدك إلى تفاصيل الطرق فعله صلّى اللّه عليه وسلّم في صلاته على الوجه الذي وصل إلينا من الرواة المجتهدين رضوان اللّه عليهم أجمعين
وَ
لما تنبهوا له بمتابعته ومالوا نحو جنابه سبحانه بالميل الحقيقي بالكلية لم يبق لهم ميل إلى ما سواه من المزخرفات الفانية بل إلى أنفسهم أيضا لذلك
مِمَّا رَزَقْناهُمْ
وسقنا إليهم ليكون مبقيا لحياتهم ومقوما لمزاجهم
يُنْفِقُونَ
في سبيلنا طلبا لمرضاتنا وهربا عما يشغلهم عنا فكيف