تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
فهذه الأماكن وأمثالها صريحة في أنها للامتناع ، لأنها عقّبت بحرف الاستدراك داخلا على فعل الشرط منفيّا لفظا أو معنى ، فهي بمنزلة :
( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى )
« 1 » . فإذا كانت دالّة على الامتناع ويصحّ تعقيبها بحرف الاستدراك دلّ على أن ذلك عامّ في جميع مواردها ، وإلّا يلزم الاشتراك ، وعدم صحّة تعقيبها بالاستدراك . وذلك ظاهر كلام سيبويه ، فلم يخرج عنه . وأمّا قول من قال : إنه ينتقض كونه للامتناع بقوله تعالى :
( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ )
« 2 » الآية ، وبالأثر العمرىّ « 3 » : لو لم يخف ، وبقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو لم تكن ربيبتى في حجري لما حلّت لي » فإنه يمكن ردّ جميع ذلك إلى الامتناع . وإيضاح ذلك بأن تقول : إذا قلنا : امتنع طلوع الشمس لوجود الليل فليس معناه انتفاء طلوع الشمس رأسا بل انتفاؤه لوجود الليل . وفرق بين انتفائه لذلك وانتفائه المطلق ، فإن الأوّل أخصّ من الثاني . ولا يلزم من ارتفاع الخاص ارتفاع العام . فإذا قلنا : لو حرف امتناع لامتناع كان المعنىّ به أن التالي يمتنع امتناعا مضافا إلى امتناع المقدّم . وليس المعنىّ به أنه يمتنع مطلقا . وإذا قلت فيمن قيل لك انتقض وضوءه لأنه مسّ ذكره : لم ينتقض لأنه مسّ ، فإنه لم يمسّ ، ولكن لناقض آخر غير المسّ ، صحّ ؛ ولذلك لك أن تقول : لم ينتقض لأنه لم يمسّ . كلّ هذا كلام صحيح ، وإن كان وضوءه منتقضا عندك بناقض آخر ؛ فإن حاصل كلامك أن الانتقاض
هامش
( 1 ) الآية 17 سورة الأنفال . ( 2 ) الآية 27 سورة لقمان . ( 3 ) أي المروى عن عمر رضى اللّه عنه .
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز — صفحة 453 | الفيروز آبادي