تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
فإن قيل : لم وصف النصر بالمجيء ، وحقيقته : إذا وقع نصر اللّه ، فما الفائدة في ترك الحقيقة ، وذكر المجاز ؟ . فالجواب : أن الأمور مرتبطة بأوقاتها ، وأنه - تعالى - قد ربط بحدوث كلّ محدث أسبابا معينة ، وأوقاتا مقدرة يستحيل فيها التقدم ، والتأخر ، والتبدل ، والتغير ، فإذا حضر ذلك الوقت ، وجاء ذلك الزمان حضر ذلك الأثر معه ، وإليه الإشارة بقوله :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
[ الحجر : 21 ] . فإن قيل : الذين أعانوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على فتح مكة هم الصحابة - رضي اللّه عنهم - ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فما السبب في إضافة النصر إليه ؟ . فالجواب : أن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بدّ لهم من داع وباعث ، وهو من اللّه تعالى . فإن قيل : فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد متقدما على فعل اللّه ، وهو خلاف قوله تعالى :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
[ محمد : 7 ] فجعل نصر العبد مقدما على نصره لنا . فالجواب : أن لا امتناع في أن يكون فعل العبد سببا لفعل آخر يصدر عن اللّه - تعالى - فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكها العقول البشرية . قوله :
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ ،
« رأيت » يحتمل أن يكون معناه : أبصرت ، وأن يكون معناه : علمت ، فإن كان معناه « أبصرت » كان « يدخلون » في محل النصب على الحال ، والتقدير : ورأيت الناس يدخلون حال دخولهم في دين اللّه أفواجا ، وإن كان معناه : « علمت » كان « يدخلون » مفعولا ثانيا ل « علمت » والتقدير : علمت الناس داخلين في دين اللّه أفواجا . وفي عبارة الزمخشري « 1 » : أنه كان بمعنى « أبصرت » ، أو « عرفت » . وناقشه أبو حيان « 2 » : بأن « رأيت » لا يعرف كونها بمعنى « عرفت » قال : « فيحتاج في ذلك إلى استثبات » . وقرأ العامة : « يدخلون » مبنيا للفاعل . وابن كثير « 3 » في رواية : مبنيا للمفعول و « في دين » ظرف مجازي ، وهو مجاز فصيح بليغ هاهنا .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 4 / 811 . ( 2 ) البحر المحيط 8 / 525 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 8 / 524 ، والدر المصون 6 / 584 .