تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
[ النحل : 78 ] ، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة ، وأنعم عليه بالنعم المذكورة ، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى ، ويتجاوز الحد في المعاصي ، واتباع هوى النفس ، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة . قوله تعالى :

ش [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 6 إلى 19 ]

كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 ) قوله :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى .
إلى آخر السورة . قيل : إنه نزل في أبي جهل ، نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الصلاة ، فأمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي في المسجد ، ويقرأ باسم الربّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل ، ويجوز أن يكون خمس آيات من أولها أولى ما نزل ، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل ، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة ؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر اللّه تعالى ، ألا ترى أنّ قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
[ البقرة : 281 ] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل . و « كلّا » بمعنى حقا . قال الجرجانيّ : لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون « كلّا » ردّا له ، كما قالوا في
كَلَّا وَالْقَمَرِ
[ المدثر : 32 ] ، فإنهم قالوا : معناه : أي والقمر ؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة اللّه بطغيانه ، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه . وقال مقاتل : كلّا ليعلم الإنسان أن اللّه تعالى هو الذي خلقه من العلقة ، وعلمه بعد الجهل ؛ لأنه عند صيرورته غنيا يطغى ، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حبّ الدنيا ، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها . قوله :
أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ،
مفعول له ، أي : رؤيته نفسه مستغنيا ، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين ؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب . قال الزمخشريّ « 1 » : « ومعنى الرؤية ، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين ، و « استغنى » هو المفعول الثاني » . قال شهاب الدين « 2 » : والمسألة فيها خلاف ، ذهب جماعة إلى أن « رأى » البصرية تعطى حكم العلمية ، وجعل من ذلك قول عائشة - رضي اللّه عنها - : لقد رأيتنا مع رسول
هامش
( 1 ) الكشاف ( 4 / 777 ) . ( 2 ) الدر المصون ( 6 / 546 ) .