تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
بضميرها ، أو بالألف واللام ومن هنا قيل : « لن يغلب عسر يسرين » . وقال الزمخشريّ « 1 » أيضا فإن قلت : « إن « مع » للصحبة ، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر ؟ قلت : أراد أن اللّه - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب ، فقرب اليسر المترقب ، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية ، وتقوية للقلوب . وقال أيضا فإن قلت : فما معنى هذا التنكير ؟ . قلت : التفخيم كأنه قيل : إنّ مع العسر يسرا عظيما ، وأي يسر ، وهو في مصحف ابن مسعود « 2 » مرة واحدة . فإن قلت : فإذا ثبت في قراءته غير مكرر فلم قال : والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر ، حتى يدخل عليه ، إنه لن يغلب عسر يسرين ؟ . قلت : كأنه قصد اليسرين ، أما في قوله : « يسرا » من معنى التفخيم ، فتأوله بيسر الدّارين ، وذلك يسران في الحقيقة .

فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها

تعلق هذه الآية بما قبلها أن اللّه تعالى بعث نبيه صلى اللّه عليه وسلم فعيّره المشركون بفقره ، حتى قالوا له : نجمع لك مالا ، فاغتم لذلك ، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيرا حقيرا عندهم ، فعدد اللّه - تعالى - عليه منته بقوله تعالى :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ،
أي : ما كنت فيه من أمر الجاهلية ، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي ، بكونهم عيّروه بالفقر ، فقال تعالى :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
فعطفه بالفاء أي : لا يحزنك ما عيروك به في الفقر ، فإن مع ذلك يسرا عاجلا في الدنيا فأنجز له ما وعده ، فلم يمت ، حتى فتح عليه « الحجاز » ، و « اليمن » ووسع عليه ذات يده ، حتّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، وترك لأهله قوت سنته ، وهذا وإن كان خاصا بالنبي - عليه الصلاة والسلام - فقد يدخل فيه بعض أمته صلى اللّه عليه وسلم إن شاء اللّه تعالى ، ثم ابتدأ فصلا آخر من أمر الآخرة ، فقال :
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
فهذا شيء آخر ، والدليل على ابتدائه ، تعديه من فاء ، وواو ، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف ، فهذا وعد عام لجميع للمؤمنين ،
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة ، وربما اجتمع يسر الدنيا ، ويسر الآخرة .
هامش
( 1 ) الكشاف 4 / 771 . ( 2 ) ينظر : السابق ، والمحرر الوجيز 5 / 497 ، والدر المصون 6 / 542 .