تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
يعني : بالتعليق من حيث المعنى ، وكيف عطفت هذه الجملة التفصيلية على ما قبلها مترتبة عليه ، قوله : « لا يريد إلا الطّاعة » على مذهبه ، ومذهب أهل السنة : أن اللّه يريد الطاعة وغيرها ، ولولا ذلك لم يقع ثم من لا يدخل في ملكه ما لا يريد ، وإصلاح العبارة أن نقول : إن اللّه يريد من العبد والإنسان من غير حصر . ثم قال : فإن قلت : كيف توازن قوله تعالى :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ ،
وقوله :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ ،
وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد « أما » و « أما » تقول : أما الإنسان فكفور ، وأما الملك فشكور ، أمّا الإنسان أحسنت إلى زيد ، فهو محسن إليك ، وأمّا إذا أسأت إليه ، فهو مسيء إليك . قلت : هما متوازنان من حيث إنّ التقدير : وأما هو إذا ما ابتلاه ، وذلك أن قوله
« فَيَقُولُ : رَبِّي أَكْرَمَنِ »
: خبر المبتدأ ، الذي هو « الإنسان » ، ودخول الفاء لما في « أما » من معنى الشرط ، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في نية « 1 » التأخير ، كأنه قيل : فأما الإنسان فقائل : ربي أكرمني وقت الابتلاء ، فوجب أن يكون « فيقول » الثاني : خبرا لمبتدأ واجب تقديره .

فصل في المراد بالإنسان

قال ابن عبّاس : المراد بالإنسان : عتبة بن ربيعة ، وأبو حذيفة بن المغيرة « 2 » . وقيل : أمية بن خلف . وقيل : أبي بن خلف .
إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ
أي : امتحنه ، واختبره بالنعمة ، و « ما » زائدة صلة ، « فأكرمه » بالمال ، و « نعّمه » بما أوسع عليه ، « فيقول : ربّي أكرمن » ، فيفرح بذلك ، ولا يحمده .
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ
أي : امتحنه بالفقر واختبره ، « فقدر » أي : ضيق ، « عليه رزقه » على مقدار البلغة ،
« فَيَقُولُ : رَبِّي أَهانَنِ »
أي : أولاني هوانا ، وهذه صفة الكافر ، الذي لا يؤمن بالبعث ، وإنما الكرامة عنده ، والهوان بكثرة المال والحظ في الدنيا ، وقلته ، فأمّا المؤمن ، فالكرامة عنده أن يكرمه اللّه بطاعته ، وتوفيقه ، المؤدي إلى حظ الآخرة ، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره . قال القرطبيّ « 3 » : الآيتان صفة كلّ كافر ، وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه اللّه لكرامته ، وفضيلته عند اللّه ، وربما يقول بجهله : لو لم أستحق هذا ، لم يعطينيه اللّه ،
هامش
( 1 ) في ب : تقدير . ( 2 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 20 / 35 ) عن ابن عباس . ( 3 ) الجامع لأحكام القرآن 20 / 35 .