تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وقيل : في الآخرة نيران ودركات متفاضلة ، كما في الدنيا ذنوب ومعاصي متفاضلة ، فكما أنّ الكافر أشقى العصاة ، فكذلك يصلى أعظم النيران . فإن قيل : لفظ الأشقى لا يستدعي وجود الشقي فكيف حال هذا القسم ؟ . فالجواب أن لفظ « الأشقى » لا يستدعي وجود الشقي إذ قد يرد هذا اللفظ من غير مشاركة ، كقوله :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
[ الفرقان : 24 ] ،
« وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى »
، كقوله :
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ الروم : 27 ] . وقال ابن الخطيب « 1 » : الفرق ثلاث : العارف ، والمتوقف ، والمعاند ، فالسعيد : هو العارف ، والمتوقف له بعض الشقاء ، والأشقى : هو المعاند . قوله :
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ؛
لا يموت فيستريح ، ولا يحيى حياة تنفعه ، كقوله تعالى :
لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها
[ فاطر : 36 ] . فإن قيل : هذه الآية تقتضي أن ثمّة حالة غير الحياة والموت ، وذلك غير معقول ؟ . فالجواب : قال بعضهم : هذا كقول العرب للمبتلى بالبلاء الشديد : لا هو حي ، ولا هو ميت . وقيل : إن نفس أحدهم في النار تمرّ في حلقه ، فلا تخرج للموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم ، فيحيى . وقيل : حياتهم كحياة المذبوح وحركته قبل مفارقة الروح ، فلا هو حي ؛ لأن الروح لم تفارقه بعد ، ولا هو ميت ؛ لأن الميت هو الذي تفارق روحه جسده . و « ثمّ » للتراخي بين الرتب في الشدة . قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
أي : صادف البقاء في الجنة ، أي : من تطهّر من الشّرك بالإيمان قاله ابن عباس وعطاء وعكرمة « 2 » . وقال الربيع والحسن : من كان عمله زاكيا ناميا « 3 » وهو قول الزجاج . وقال قتادة : « تزكّى » ، أي : عمل صالحا « 4 » . وعن عطاء ، وأبي العالية : نزلت في صدقة الفطر « 5 » .
هامش
( 1 ) ينظر الرازي 31 / 133 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 546 ) ، عن ابن عباس وقتادة وعكرمة . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 568 ) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 546 ) ، عن الحسن . وذكره الماوردي في « تفسيره » ( 6 / 255 ) ، عن الربيع والحسن . وذكره القرطبي ( 20 / 16 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 546 ) ، من طريق معمر عن قتادة . وذكره القرطبي ( 20 / 16 ) . ( 5 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 12 / 547 ) ، عن أبي العالية . وينظر المصدر السابق .