تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
قوله تعالى :

ش [ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 9 إلى 15 ]

فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ( 9 ) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) قوله :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى .
أي : فعظ قومك يا محمد بالقرآن
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
أي : الموعظة ، و « إن » شرطية ، وفيه استبعاد لتذكرهم ؛ ومنه قوله : [ الوافر ]
5180 - لقد أسمعت لو ناديت حيّا * ولكن لا حياة لمن تنادي « 1 »
وقيل : « إن » بمعنى : « إذا » كقوله :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 139 ] أي : إذا كنتم مؤمنين . وقيل : هي بمعنى : « قد » ذكره ابن خالويه ، وهو بعيد . وقيل : بعده شيء محذوف ، تقديره : إن نفعت الذكرى ، وإن لم تنفع ، كقوله :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] ، قاله الفراء والنحاس والجرجاني والزهراوي . وقيل : إنّه مخصوص في قوم بأعيانهم . وقيل : « إن » بمعنى : « ما » أي : فذكر ما نفعت الذّكرى ، فتكون « إن » بمعنى : « ما » لا بمعنى : الشرط ؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال . قاله ابن شجرة .

فصل في فائدة هذا الشرط

قال ابن الخطيب « 2 » : إنّه صلى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى الكل ، فيجب عليه تذكيرهم سواء إن نفعت الذكرى ، أو لم تنفعهم ، فما فائدة هذا الشرط ، وهو قوله :
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
؟ والجواب من وجوه : إمّا أن يكون المراد : التنبيه على أشرف الحالين ، وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى ، قال : والمعلق ب « إن » على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[ البقرة : 172 ] ، ومنها قوله تعالى :
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ
[ النساء : 101 ] ، فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه ، ومنها قوله تعالى :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
[ البقرة : 230 ] ، والمراجعة جائزة بدون هذا الظنّ ، وإذا كان كذلك ، فهذا الشرط فيه فوائد منها ما تقدم ، ومنها : البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول الرجل لمن يرشده : قد أوضحت لك إن كنت تعقل ، وهو تنبيه للنبي صلى اللّه عليه وسلم على أنه لا تنفعهم الذكرى ، أو يكون هذا في تكرير الدعوة ، فأما الدعاء الأول فعام .
هامش
( 1 ) ينظر : البحر 8 / 454 ، والدر المصون 6 / 510 . ( 2 ) ينظر الفخر الرازي 31 / 131 .