تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
وثالثها : أن اللّه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوّز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي ، أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم كان يبالغ في التثبّت ، والتحفّظ في جميع المواضع ، وكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه صلى اللّه عليه وسلم على التيقّظ في جميع الأحوال . قوله :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
الجهر : هو الإعلان من القول والعمل ، « وما يخفى » من السرّ . عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ما في قلبك ونفسك « 1 » . وقال محمد بن حاتم : يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها « 2 » . وقيل : الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك ، « وما يخفى » هو ما نسخ في صدرك .

فصل في الكلام على « ما »

« ما » : اسمية ، ولا يجوز أن تكون مصدرية ، لئلا يلزم خلو الفعل من فاعل ، ولولا ذلك لكان المصدرية أحسن ليعطف مصدر مؤول على مصدر صريح . قوله :
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى :
عطف على
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى »
، فهو داخل في حيز التنفيس ، وما بينهما من الجملة اعتراض . واليسرى : هي الطّريقة اليسرى ، وهي أعمال الخير ، والتقدير : سنقرئك فلا تنسى ، ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر ، يعني في حفظ القرآن . [ قال ابن مسعود : اليسرى الجنة أي نيسرك للعمل المؤدي إلى الجنة « 3 » وقيل نهوّن عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به وقيل نوفقك للشريعة لليسرى وهي الحنيفية السهلة السمحة ، قال الضحاك : ] « 4 » فإن قيل : المعهود في الكلام أن يقال : يسر الأمر لفلان ، ولا يقال : يسر فلان للأمر . فالجواب أن هذه العبارة كأنها اختيار القرآن هنا وفي سورة « والليل » ، فكذا هي اختيار الرسول صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » ، وفيه لطيفة : وهي أن الفاعل لا يترجح عنده الفعل عن الترك ، ولا عكسه ، إلّا لمرجح ، وعند ذلك المرجح يجب الفعل ، فالفاعل إذن ميسر للفعل ، إلّا أن الفعل ميسر للفاعل ، فذلك الرجحان هو المسمى ب « التيسير » .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 20 / 15 ) . ( 2 ) ينظر المصدر السابق . ( 3 ) ذكره الماوردي في « تفسيره » ( 6 / 254 ) ، وينظر المصدر السابق . ( 4 ) سقط من : ب .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 281 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب