تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠

فصل في كيفية تعليم القرآن

ذكر في كيفية هذا التعليم والإقراء وجوها : الأول : أن جبريل - عليه الصلاة والسلام - سيقرأ عليك القرآن مرات ، حتى تحفظه حفظا لا تنساه . وثانيها : أنّا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظه بالمرة الواحدة حفظا لا تنساه . وثالثها : أنه تعالى لما أمره صلى اللّه عليه وسلم في أول السورة بالتسبيح ، فكأنه تعالى قال : واظب على ذلك ، ودم عليه ، فإنّا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأوّلين ، والآخرين ، ويكون فيه ذكرك ، وذكر قومك ، وتجمعه في قلبك .
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
وهو العمل به .

فصل في الدلالة على المعجزة

هذه الآية تدلّ على المعجزة من وجهين : الأول : أنه صلى اللّه عليه وسلم كان رجلا أميّا ، فحفظه هذا الكتاب المطول من غير دراسة ، ولا تكرار ، ولا كتابة ، خارق للعادة . والثاني : أنه إخبار عن الوقوع في المستقبل ، وقد وقع ، فكان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا .

فصل في المراد بالآية

قال بعضهم : المراد بقوله تعالى :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
أمور : أولها : التبرك بهذه الكلمة لقوله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ، 24 ] ، فكأنه تعالى يقول : إني عالم بجميع المعلومات ، ثم بعواقب الأمور على التفصيل ، ومع ذلك لا أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة ، فأنت وأمتك يا محمد أولى بها ، وهذا بناء على أن الاستثناء غير حاصل في الحقيقة ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم لم ينس بعد ذلك شيئا ، كما قاله ابن عبّاس والكلبي وغيرهما . وثانيها : قال الفراء : إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمدا صلى اللّه عليه وسلم شيئا إلا أنّ المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير ناسيا كذلك لقدر عليه ، كقوله تعالى :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
[ الإسراء : 16 ] ، ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك ، ونظيره قوله تعالى :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 6 ] مع أنه صلى اللّه عليه وسلم ما أشرك ألبتّة ففائدة هذا الاستثناء أن اللّه تعالى ، يعرفه قدرته ، حتى يعلم أنّ عدم النّسيان من فضل اللّه ، وإحسانه ، لا من قوته .