تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
تعالى :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
[ يوسف : 64 ] ، وقال تعالى :
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ
[ الأنبياء : 43 ] وما كان مثله . قال ابن الخطيب « 1 » : المعنى : لما كانت كل نفس عليها حافظ ، وجب أن يجتهد كل واحد ، ويشتغل بالمهم ، وأهم الأشياء معرفة المبدأ والمعاد والمبدأ يقدم . قوله تعالى :

ش [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 5 إلى 10 ]

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) قوله :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ ،
أي : ابن آدم ، « ممّ خلق » ، وجه الاتصال بما قبله وصية الإنسان بالنظر في أول أمره حتى يعلم أنّ من أنشأه قادر على إعادته وجزائه ، فليعمل ليوم الإعادة والحشر والجزاء ، ولا يملي على الحافظ إلا ما يسرّه في عاقبه أمره . وقوله تعالى :
مِمَّ خُلِقَ ،
استفهام ، أي : من أيّ شيء خلق ، وهو جواب الاستفهام . قوله :
مِنْ ماءٍ دافِقٍ .
فاعل بمعنى مفعول [ كعكسه في قولهم : سيل مفعم ] « 2 » ، كقوله تعالى :
حِجاباً مَسْتُوراً
[ الإسراء : 45 ] على وجه . وقيل : « دافق » على النسب ، أي : ذو دفق أو اندفاق . وقال ابن عطية « 3 » : يصح أن يكون الماء دافقا ؛ لأن بعضه يدفق بعضا ، أي : يدفقه ، فمنه دافق ، ومنه مدفوق انتهى . والدّفق : الصّبّ ، ففعله متعدّ . وقرأ زيد « 4 » بن علي : « مدفوق » ، وكأنّه فسر المعنى . قال القرطبيّ « 5 » : الصبّ : دفق الماء ، دفقت الماء ، أدفقه دفقا ، أي : صببته فهو ماء دافق ، أي : مدفوق ، كما قالوا : سرّ كاتم ، أي : مكتوم ؛ لأنه من قولك : دفق الماء على ما لم يسم فاعله ، ولا يقال : دفق الماء ، ويقال : دفق اللّه روحه : إذا دعى عليه بالموت . قال الفرّاء والأخفش : « ماء دافق » : أي مصبوب في الرّحم . وقال الزجاج : « من ماء ذي اندفاق » ، يقال : دارع ، وفارس ، ونابل ، أي ذو فرس ودرع ونبل ، وهذا مذهب سيبويه . والدّافق : هو المندفق بشدة قوته ، وأراد ماءين : ماء الرجل وماء المرأة ؛ لأن الإنسان مخلوق منهما ، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 31 / 117 . ( 2 ) سقط من : ب . ( 3 ) المحرر الوجيز 5 / 465 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 8 / 449 ، والدر المصون 6 / 507 . ( 5 ) الجامع لأحكام القرآن 20 / 5 .