تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
مخاطبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأولئك الكفار ، وكان بسماعه يعرف شدة اهتمام النبي صلى اللّه عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم لغرض نفسه قبل تمام غرض النبي صلى اللّه عليه وسلم معصية عظيمة . وأيضا : فإنّ الأهم يقدّم على المهمّ ، وكان قد أسلم ، وتعلّم ما يحتاج إليه من أمر دينه ، أما أولئك الكفّار ، فلم يكونوا أسلموا بعد ، وكان إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم ، فكان كلام ابن أم مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل ، وذلك محرم . وأيضا : فإنّ اللّه - تعالى - ذمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرد ندائهم ، فهذا النداء الذي هو كالصّارف للكفار عن [ قبول ] « 1 » الإيمان أولى أن يكون ذنبا ، فثبت أن الذي فعله ابن أمّ مكتوم كان ذنبا ومعصية . وأيضا : فمع هذا الاعتناء بابن أم مكتوم ، فكيف لقب بالأعمى ؟ . وأيضا : فالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يؤدّب أصحابه بما يراه مصلحة ، والتّعبيس من ذلك القبيل ، ومع الإذن فيه ، كيف يعاتب عليه ؟ . والجواب عن الأول : أنّ ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم مشغول بغيره ، وأنّه يرجو إسلامهم ، ولكن اللّه عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصّفّة ، أو ليعلم أنّ المؤمن الفقير خير من الغنى ، وكان النظر إلى المؤمن أولى ، وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم ، وإن كان ذلك أيضا طمعا في المصلحة ، وعلى هذا يخرج قوله تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى
[ الأنفال : 67 ] الآية . وقيل : إنّما قصد النبي صلى اللّه عليه وسلم تأليف الرجل ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّي لأعطي الرّجل ، وغيره أحبّ إليّ منه مخافة أن يكبّه اللّه على وجهه » . وقال ابن زيد : إنّما عبس النبي صلى اللّه عليه وسلم لابن أم مكتوم ، وأعرض عنه ؛ لأنّه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه ، فدفعه ابن أم مكتوم ، وأبى إلا أن يكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى يعلمه ، فكان في هذا نوع جفاء منه ، ومع هذا أنزل اللّه تعالى في حقه :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ،
بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له ، ولم يقل : عبست وتولّيت . ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له ، فقال :
« وَما يُدْرِيكَ »
أي : يعلمك « لعلّه » ابن أم مكتوم « يزّكّى » بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين ، وإنّما ذكره بلفظ الأعمى ليس للتحقير ، بل كأنه قيل : إنه بسبب عماه يستحق مزيد الرفق والرأفة ، فكيف يليق بك يا محمد ، أن
هامش
( 1 ) سقط من : أ .