فصل في جمعه تعالى بين الشاكر والكفور
قال القرطبي « 1 » : « جمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة نفيا للمبالغة في الشكر ، وإثباتا لها في الكفر ؛ لأن شكر اللّه - تعالى - لا يؤدّى فانتفت عنه المبالغة ، ولم ينتف عن الكفر المبالغة فقلّ شكره لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قلّ مع الإحسان إليه ، حكاه الماوردي » .
قوله تعالى :
ش [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 4 إلى 22 ]
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 )
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ( 13 )
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ( 14 ) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 )
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 ) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ( 22 )
قوله تعالى :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ .
قرأ نافع والكسائي « 2 » ، وهاشم ، وأبو بكر : بتنوين « سلاسلا » والباقون : بغير تنوين .
ووقف هؤلاء ، وحمزة ، وقنبل عليه بالألف بلا خلاف .
وابن ذكوان والبزي وحفص : بالألف وبدونها - يعني بلا ألف - والباقون : وقفوا بالألف بلا خلاف .
فقد تحصّل من هذا أن القراء على أربع مراتب ، منهم من ينون وصلا ويقف بالألف وقفا بلا خلاف وهما حمزة وقنبل ، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف بلا خلاف ، وهو أبو عمرو وحده ، ومنهم من لم ينون ويقف بالألف تارة وبدونها أخرى ، وهم ابن ذكوان وحفص والبزي ، فهذا ضبط ذلك .
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 19 / 80 .
( 2 ) ينظر : الحجة 6 / 348 ، وإعراب القراءات 2 / 419 - 420 ، وحجة القراءات 437 .