تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
وقيل : « نبتليه » نكلّفه بالعمل بعد الخلق . قاله مقاتل رحمه اللّه . وقيل : نكلفه ؛ ليكون مأمورا بالطاعة ، ومنهيا عن المعاصي . وقوله :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً .
والمعنى : إنا خلقناه في هذه الأمشاج لا للعبث بل للابتلاء والامتحان ، ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر ، وهما كنايتان عن الفهم والتمييز ، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة ، والمعنى : جعلنا له سمعا يسمع به الهدى وبصرا يبصر به الهدى كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام :
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
[ مريم : 42 ] وقد يراد بالسميع المطيع ، كقوله : « سمعا وطاعة » ، وبالبصير : العالم ، يقال : لفلان بصر في هذا الأمر . وقيل : المراد بالسمع والبصر : الحاسّتان المعروفتان ، واللّه - تعالى - خصهما بالذكر ؛ لأنهما أعظم الحواس وأشرفهما . قوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
أي : بيّنا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر ببعث الرسل فآمن أو كفر . وقال مجاهد : السبيل هنا خروجه من الرحم « 1 » . وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله .

فصل في أن العقل متأخر عن الحواس

قال ابن الخطيب « 2 » : أخبر اللّه - تعالى - أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال ، قال : والآية تدل على أن العقل متأخر عن الحواس ، وهو كذلك ثم ينشأ عنها عقائد صادقة أولية كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وأن الكل أعظم من الجزء وهذه العلوم الأولية هي العقل . قال الفراء : هذا يتعدى بنفسه وباللام . قوله :
إِمَّا شاكِراً .
نصب على الحال ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه حال من مفعول « هديناه » أي : هديناه مبينا له كلتا حالتيه . قال أبو البقاء : وقيل : وهي حال مقدرة . قال شهاب الدين « 3 » : لأنه حمل الهداية على أول البيان له وفي ذلك الوقت غير متصف بإحدى الصفتين .
هامش
( 1 ) ذكره الماوردي ( 6 / 164 ) والقرطبي ( 19 / 80 ) عن أبي صالح والضحاك والسدي . ( 2 ) الفخر الرازي 30 / 210 . ( 3 ) الدر المصون 6 / 438 .