تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
وفيه وجه آخر وهو : أنّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم ؟ فلما رأوهم ، قالوا لهم : ما سلككم في سقر ؟ والإضمارات كثيرة في القرآن . قوله :
ما سَلَكَكُمْ
: يجوز أن يكون على إضمار القول ، وذلك في موضع الحال ، أي : يتساءلون عنهم قائلين لهم : ما سلككم ؟ قال الزمخشري : فإن قلت : كيف طابق بعد قوله :
« ما سَلَكَكُمْ »
وهو سؤال المجرمين ، قوله :
يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ
، وهو سؤال عنهم ، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل : يتساءلون المجرمين : ما سلككم ؟ . قلت : قوله تعالى :
ما سَلَكَكُمْ
ليس ببيان للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم ؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ، فيقولون : قلنا لهم : ما سلككم في سقر ؟ أي : أدخلكم في سقر ، كما تقول : سلكت الخيط في كذا إذا أدخلته فيه ، والمقصود من هذا : زيادة التوبيخ والتخجيل ، والمعنى : ما أدخلكم في هذه الدركة من النار ؟ فأجابوا : أن العذاب لأمور أربعة ، ثم ذكروها وهي قولهم :
لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
. قال الكلبيّ رحمه اللّه : يسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه فيقول له : يا فلان . وفي قراءة عبد اللّه بن الزبير : يا فلان ، ما سلككم في سقر ؟ وهي قراءة على التفسير ؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن . قاله ابن الأنباري . وقيل : إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم ، فتسأل الملائكة المشركين ، فيقولون لهم : ما سلككم في سقر ؟ . قال الفراء : في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان ؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب . قوله :
لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
، هذا هو الدالّ على فاعل « سلكنا كذا » الواقع جوابا لقول المؤمنين لهم : « ما سلككم » [ والتقدير « 1 » : سلكنا عدم صلاتنا كذا وكذا . قال أبو البقاء : هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل ، وهو جواب : ما سلككم ، وهو نظير « مناسككم » ، وقد تقدم في « البقرة » ] .

فصل في تفسير الآية

قال القرطبي « 2 » : معنى قولهم :
لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
أي : المؤمنين الذين يصلون
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
أي : لم نكن نتصدق .
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 19 / 57 ) . ( 2 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 19 / 57 .