تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
فالجواب : نحمله على ثمرات الإيمان ، وعلى آثاره ولوازمه . قوله تعالى :
وَلا يَرْتابَ
، أي : ولا يشك
الَّذِينَ أُوتُوا
أي : أعطوا
الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ
أي : المصدّقون من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أنّ خزنة جهنّم تسعة عشر . فإن قيل : لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب ، وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين ، فما الفائدة في قوله تعالى بعد ذلك :
وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ
؟ . فالجواب : أن الإنسان إذا اجتهد في أمر غامض دقيق الحجّة كثير الشّبه ، فحصل له اليقين ، فربّما غفل عن مقدمة من مقدّمات ذلك الدليل الدقيق ، فيعود الشرك ، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك ، ففائدة هذه الإعادة نفي ذلك الشكّ ، وأنه حصل له يقين جازم ، لا يحصل عقيبه شكّ البتة . قوله تعالى :
وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
، أي : في صدورهم شكّ ونفاق من منافقي أهل « المدينة » الذين يجيئون في مستقبل الزمان بعد الهجرة ، وهذا إخبار عما سيكون ، ففيه معجزة
وَالْكافِرُونَ
أي : اليهود والنصارى
ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
يعني : بعدد خزنة جهنّم ، وهذا قول أكثر المفسرين . وقال الحسن بن الفضل : السورة مكيّة ، ولم يكن ب « مكة » نفاق ، فالمرض في هذه الآية الخلاف ، والمراد بالكافرين : مشركو العرب ، ويجوز أن يراد بالمرض الشكّ والارتياب لأن أهل « مكة » كان أكثرهم مشركين ، وبعضهم قاطعين بالكذب ، وقوله تعالى إخبارا عنهم :
ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
؟ أي : هذا العدد الذي ذكره حديثا ، أي ما هذا من الحديث . قال الليث رحمه اللّه : المثل الحديث ، ومنه :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
[ محمد : 15 ] ، أي : حديثها والخبر عنها . وقال ابن الخطيب « 1 » : إنما سمّوه مثلا ؛ لأنه لمّا كان هذا العدد عددا عجيبا ظن القوم أنه ربّما لم يكن مرادا للّه منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلا لشيء آخر تنبيها على مقصود آخر - لا جرم سمّوه مثلا - لأنهم لمّا استغربوه ظنّوا أنه ضرب مثلا لغيره ، و « مثلا » تمييز أو حال ، وتسمية هذا مثلا على سبيل الاستعارة لغرابته .

فصل في لام : « وَلِيَقُولَ »

« اللام » في قوله تعالى :
وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
جار على أصول أهل السّنة ؛ لأن ذلك مراد ، وعند المعتزلة : هي لام العاقبة ، ونسبوه إلى اللّه - عز وجل - مع أنهم ينكرون ذلك ، إما على سبيل التّهكّم ، وإما على ما يقولونه .
هامش
( 1 ) ينظر المصدر السابق .