تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
قط ، فقال آخر : إنه مجنون ، فقال الوليد : الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط ، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته ، فقال الناس : صبأ الوليد بن المغيرة ، فدخل عليه أبو جهل فقال : ما لك يا أبا عبد شمس ، هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونكه ، زعموا أنك قد احتجت وصبأت ، فقال الوليد : ما لي إليه حاجة ، ولكني فكرت في محمد ، فقلت : إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين المرأة وزوجها ، فشاع ذلك في الناس ، فصاحوا يقولون : محمد ساحر والناس مجتمعون ، فوقعت الصيحة في الناس فلما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزونا ، فتدثر بقطيفة فأنزل اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
. وثالثها : أنه صلى اللّه عليه وسلم كان نائما ، متدثرا بثيابه ، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عليه الصلاة والسلام - ، وقال :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ
كأنه قال : اترك التدثر بالثياب ، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك اللّه تعالى له . وإن قلنا : ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه : الأول : قال عكرمة : يا أيها المدثر بالنبوة ، والرسالة « 1 » انقلها ، من قولهم : ألبسه اللّه لباس التقوى وزيّنه برداء العلم . قال ابن العربي : « وهذا مجاز بعيد ، لأنه لم يكن تنبأ بعد ، وإن قلنا : إنها أول القرآن لم يكن نبيا بعد إلا إن قلنا : إنها ثاني ما نزل » . الثاني : أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان في جبل حراء كالمتخفي من النّاس ، فكأنه قال : يا أيها المدثّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول ، واشتغل بإنذار الخلق ، والدعوة إلى معرفة الحقّ . الثالث : أنه تعالى جعله رحمة للعالمين ، فكأنه قيل له : يا أيها المدثّر بأثواب العلم العظيم ، والخلق الكريم ، والرحمة الكاملة :
« قُمْ فَأَنْذِرْ »
عذاب ربّك .

فصل في لطف الخطاب في الآية

قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته ، ولم يقل : يا محمد ، كما تقدم في المزمل .

فصل في معنى « فأنذر »

ومعنى قوله تعالى :
فَأَنْذِرْ
، أي : خوّف أهل مكة ، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا .
هامش
( 1 ) ذكره الماوردي في « تفسيره » ( 6 / 135 ) والقرطبي ( 19 / 41 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 492 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب