تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلّما قرضت عادت ، قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ . قال : هؤلاء خطباء أمّتك الذين يقولون ولا يفعلون ويقرءون كتاب اللّه ولا يعملون به » « 1 » .

فصل [ في معنى قوله : « لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ »

] قوله :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
. استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ ، على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله ، أما في الماضي ، فيكون كذبا ، وفي المستقبل ، يكون خلفا ، وكلاهما مفهوم « 2 » . قال الزمخشري « 3 » : هي لام الإضافة ، دخلت على « ما » الاستفهامية ، كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : « بم ، وفيم ، وعمّ » ، وإنما حذفت الألف ؛ لأن « ما » والحرف كشيء واحد ، ووقع استعمالها في كلام المستفهم » ، ولو كان كذلك لكان معنى الاستفهام واقعا في قوله تعالى :
لِمَ تَقُولُونَ
، والاستفهام من اللّه تعالى محال ؛ لأنه عالم بجميع الأشياء ، والجواب « 4 » هذا إذا كان المراد حقيقة الاستفهام ، وأما إذا كان أراد إلزام من أعرض عن الوفاء مما وعد أو أنكر الحق وأصرّ على الباطل فلا . وتأول سفيان بن عيينة قوله :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
أي : لم تقولون [ ما ليس الأمر فيه ] « 5 » إليكم ، فلا تدرون هل تفعلون ، أو لا تفعلون ، فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول . قوله :
كَبُرَ مَقْتاً
. فيه أوجه « 6 » : أحدها : أن يكون من باب : « نعم وبئس » ، فيكون في « كبر » ضمير مبهم مفسر بالنكرة بعده ، و « أن تقولوا » هو المخصوص بالذم ، فيجيء فيه الخلاف المشهور : هل رفعه بالابتداء وخبره الجملة مقدمة عليه ؟ أو خبره محذوف ، أو هو خبر مبتدأ محذوف ، كما تقدم تحريره ؟ . وهذه قاعدة مطردة : كل فعل يجوز التعجّب منه ، يجوز أن يبنى على « فعل » - بضم العين - ويجري مجرى « نعم وبئس » في جميع الأحكام .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في « حلية الأولياء » ( 8 / 44 ) من حديث أنس من طريق إبراهيم بن أدهم عن مالك بن دينار عن أنس مرفوعا وقال أبو نعيم مشهور من حديث مالك بن أنس غريب من حديث إبراهيم عنه ، وذكره السيوطي في الدر المنثور » ( 4 / 278 ) وعزاه إلى ابن مردويه . ( 2 ) ينظر : القرطبي 18 / 53 . ( 3 ) الكشاف 4 / 522 . ( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 29 / 270 . ( 5 ) سقط من أ . ( 6 ) ينظر : الدر المصون 6 / 2309 .