تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
قال الزمخشريّ : « وإن شئت جعلت « نصفه » بدلا من « قليلا » وكان تخييرا بين ثلاث : بين قيام النصف بتمامه ، وبين قيام الناقص منه ، وبين قيام الزائد عليه ، وإنّما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل » . وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أشبه من جعله بدلا من « اللّيل » كما تقدم . إلا أن أبا حيان اعترض هذا ، فقال « 1 » : « وإذا كان « نصفه » بدلا من
« إِلَّا قَلِيلًا »
، فالضمير في « نصفه » إما أن يعود على المبدل منه ، أو على المستثنى منه ، وهو « الليل » لا جائز أن يعود على المبدل منه ؛ لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول ، إذ التقدير : إلا قليلا نصف القليل ، وهذا لا يصح له معنى ألبتّة ، وإن عاد الضمير إلى « اللّيل » فلا فائدة في الاستثناء من « الليل » ، إذ كان يكون أخصر ، وأفصح ، وأبعد عن الإلباس : قم الليل نصفه ، وقد أبطلنا قول من قال :
« إِلَّا قَلِيلًا »
استثناء من البدل ، وهو « نصفه » وأنّ التقدير : قم الليل نصفه إلا قليلا منه ، أي من النصف ، وأيضا ففي دعوى أن « نصفه » بدل من
« إِلَّا قَلِيلًا »
، والضمير في « نصفه » عائد على « الليل » ، إطلاق القليل على النصف ، ويلزم أيضا أن يصير التقدير : إلا نصفه فلا تقمه ، أو انقص من النصف الذي لا تقومه ، وهذا معنى لا يصلح ، وليس المراد من الآية قطعا » . قال شهاب الدين « 2 » : يقول بجواز عوده على كل منهما ، ولا يلزم محذور ، أما ما ذكره من أنه يكون استثناء مجهول من مجهول فممنوع ، بل هو استثناء معلوم من معلوم ؛ لأنا بينا أن القليل قدر معين وهو الثلث ، والليل ليس بمجهول ، وأيضا فاستثناء المبهم قد ورد ، قال اللّه تعالى :
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
[ النساء : 66 ] ، وقال تعالى :
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
[ البقرة : 249 ] ، وكان حقه أن يقول : لأنه بدل مجهول من مجهول ، وأما ما ذكره من أنه « أخصر منه ، وأوضح » كيت وكيت ، أما الأخصر ، فمسلم وأما أنه يلبس ، فممنوع ، وإنما عدل عن اللفظ الذي ذكره لأنه أبلغ ، وبهذا الوجه استدل من قال : يجوز استثناء النصف ، والأكثر ، [ ووجه الدلالة على الأول أنه جعل قليلا مستثنى من الليل ثم فسّر ذلك القليل بالنصف ، فكأنه قيل قم الليل إلا نصفه ] « 3 » ووجه الدلالة على الثاني ، أنه عطف
« أَوْ زِدْ عَلَيْهِ »
على
« انْقُصْ مِنْهُ »
، فيكون قد استثنى الزائد على النصف ، لأن الضمير في « منه » وفي « عليه » عائد على النصف وهو استدلال ضعيف لأن الكثرة إنّما جاءت بالعطف ، وهو نظير أن يقول : له عندي عشرة إلا خمسة درهما درهما ، فالزيادة على النصف بطريق العطف ، لا بطريق أن الاستثناء أخرج الأكبر بنفسه . الثالث : إن « نصفه » بدل من « الليل » [ أيضا كما تقدّم في الوجه الأول ، إلا أن
هامش
( 1 ) البحر المحيط 8 / 316 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 6 / 402 . ( 3 ) سقط من ب .