تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
وقيل :
« لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا »
، أي : كفرا
« وَلا رَشَداً »
أي : هدى ، أي : إنما عليّ التبليغ . وقيل : الضّرّ : العذاب ، والرشد : النعيم ، وهو الأول بعينه . وقيل : الضرّ : الموت ، والرشد الحياة . قوله :
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ
، أي : لن يدفع عني عذابه أحد إن استحفظته وذلك أنهم قالوا : اترك ما تدعو إليه ، ونحن نجيرك . وروى أبو الجوزاء عن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : انطلقت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخطّ علينا خطّا ، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد يقال له وردان : أنا أزجلهم عنك ، فقال :
إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ
، ذكره الماورديّ رحمه اللّه عليه ، قال : ويحتمل معنيين : أحدهما : لن يجيرني مع إجارة اللّه لي أحد . الثاني : لن يجيرني مما قدره اللّه تعالى علي أحد ،
وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
« 1 » أي : ملجأ الجأ إليه ، قاله قتادة ، وعنه نصيرا ومولى . وقال السدي : حرزا « 2 » ، وقال الكلبيّ : مدخلا في الأرض مثل السّرب « 3 » ، وقيل : مذهبا ولا مسلكا ، حكاه ابن شجرة ؛ قال الشاعر : [ البسيط ]
4914 - يا لهف نفسي ولهفي غير مجزية * عنّي وما من قضاء الله ملتحد « 4 »
و « ملتحدا » مفعول « أحد » لأنها بمعنى « أصيب » . قوله
إِلَّا بَلاغاً
، فيه وجوه : أحدها : أنه استثناء منقطع ، أي : لكن إن بلغت عن اللّه رحمتي ، لأن البلاغ من اللّه - تبارك وتعالى - لا يكون داخلا تحت قوله :
وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
. لأنه لا يكون من دون اللّه - عز وجل - وبعنايته وتوفيقه . والثاني : أنّه متصل ، وتأويله ، أن الإجارة مستعارة للبلاغ ، أو هو سببها أو بسبب رحمته تعالى ، والمعنى لن أجد شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني ، وإذا كان متصلا جاز نصبه من وجهين : أحدهما : أن يكون بدلا من « ملتحدا » لأن الكلام غير موجب ، وهذا اختيار الزّجاج .
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 6 / 438 ) وعزاه إلى ابن مردويه والبيهقي في « الدلائل » . ( 2 ) ذكره القرطبي ( 19 / 18 ) . ( 3 ) ينظر المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : القرطبي 19 / 18 ، والبحر المحيط 8 / 346 ، والدر المصون 6 / 397 ، وروح المعاني 29 / 116 .