تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
والضمير في قوله وألو
اسْتَقامُوا
، قيل : يرجع إلى الجنّ الذين تقدم ذكرهم ووصفهم أي : هؤلاء القاسطون لو أسلموا لفعلنا بهم كذا وكذا . وقيل : بل المراد الإنس لأن الترغيب في الانتفاع بالماء الغدق ، إنما يليق بالإنس ، لا بالجن وأيضا أن هذه الآية إنّما نزلت بعد ما حبس اللّه المطر عن أهل مكة سنين ، أقصى ما في الباب أنّه لم يتقدم ذكر الإنس ، ولكنه لما كان ذلك معلوما جرى مجرى قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[ القدر : 1 ] . وقال القاضي : الأقرب أن الكل يدخلون فيه . قال ابن الخطيب « 1 » : « ويدل على صحة قول القاضي ، أنه تعالى أثبت حكما معللا بعلة ، وهي الاستقامة فوجب أن يعم الحكم لعموم العلة » . والغدق - بفتح الدال وكسرها - : لغتان في الماء الغزير ، ومنه الغداق : للماء الكثير وللرجل الكثير الغدق ، والكثير النطق . ويقال : غدقت عينه تغدق أي : هطل دمعها غدقا . وقرأ العامة : « غدقا » بفتحتين . وعاصم فيما يروي « 2 » عنه الأعشى ، بفتح الغين وكسر الدال ، وقد تقدم أنهما لغتان . قوله : وألو
اسْتَقامُوا
. قال ابن الخطيب « 3 » : إن قلنا : إن الضمير راجع إلى الجنّ ففيه قولان : أحدهما : أن المعنى لو ثبت أبوهم على عبادته وسجد لآدم ، ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم كقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 96 ] الآية ،
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ
[ المائدة : 66 ] الآية ، وقوله :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
[ الطلاق : 2 ] . وقوله :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ
، إلى قوله :
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ
[ نوح : 10 - 12 ] الآية . وإنّما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع وهذا هو اللائق بالجنّ لا الماء المشروب . الثاني : أن المعنى لو استقام الجنّ أي الذين سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها ، ولم ينتقلوا عن الإسلام لو سعنا عليهم الدنيا كقوله :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ
[ الزخرف : 33 ] الآية .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 30 / 142 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 5 / 383 ، والبحر المحيط 8 / 345 ، والدر المصون 6 / 395 . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 30 / 142 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 428 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب