تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
وهو على أصله من تسهيل الثانية بين بين ، وعدم ألف بينهما ، وأما إذا ابتدأ ، فيحقق الأولى ، ويسهل الثانية بين بين على ما تقدم ، ولم تبدل الأولى واوا ، لزوال موجبه وهو انضمام ما قبلها ، وهي مفتوحة نحو « موجل ، ويؤاخذكم » ، وقد مضى في سورة « الأعراف » عند قوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ
[ الأعراف : 123 ] ، وإنما عددناه تذكيرا ، وبيانا . قوله :
مَنْ فِي السَّماءِ
. مفعول
« أَ أَمِنْتُمْ »
وفي الكلام حذف مضاف ، أي : أمنتم خالق السماوات . وقيل : « في » بمعنى « على » ، أي : على السماء ، كقوله :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
[ طه : 71 ] ، أي : على جذوع النخل . وإنما احتاج القائل بهذين إلى ذلك ؛ لأنه اعتقد أن « من » واقعة على الباري ، وهو الظاهر وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيّز لئلا يلزم التجسيم ، ولا حاجة إلى ذلك ؛ فإن « من » هنا المراد بها : الملائكة سكان السماء ، وهم الذين يتولّون الرحمة والنقمة . وقيل : خوطبوا بذلك على اعتقادهم ؛ فإن القوم كانوا مجسمة مشبّهة ، والذي تقدم أحسن . قال ابن الخطيب « 1 » : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين ؛ لأن ذلك يقتضي إحاطة السّماء به من جميع الجوانب ، فيكون أصغر منها ، والعرش أكبر من السماء بكثير ، فيكون حقيرا بالنسبة إلى العرش ، وهو باطل بالاتفاق ، ولأنه قال :
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 12 ] فلو كان فيهما لكان مالكا لنفسه ، فالمعنى : إما من في السماوات عذابه ، وإما أن ذلك ما كانت العرب تعتقد ، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته ، كما قال تعالى :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[ الأنعام : 3 ] فإنّ الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين ، والغرض من ذكر السّماء تفخيم سلطان اللّه ، وتعظيم قدرته ، والمراد الملك الموكل بالعذاب ، وهو جبريل يخسفها بإذن اللّه . قوله :
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ
و
أَنْ يُرْسِلَ
فيه وجهان : أحدهما : أنهما بدلان من
« مَنْ فِي السَّماءِ »
بدل اشتمال ، أي : أمنتم خسفه ، وإرساله . قاله أبو البقاء « 2 » . والثاني : أن يكون على حذف « من » ، أي : أمنتم من الخسف والإرسال ، والأول أظهر .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 30 / 61 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 2 / 266 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 248 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب