تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
قوله :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
. قيل : اللطيف : العالم . وقيل : هو فاعل الأشياء اللطيفة التي يخفى علمها على أكثر الفاعلين ، ولهذا يقال : إن لطف اللّه تعالى بعباده عجيب ، والمراد به دقائق تدبيره لهم ، وهذا أقرب وإلا لكان ذكر الخبير بعد تكرارا . قوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا
لما بين الدليل كونه عالما بما يسرون وما يعلنون ذكر بعده هذه الآية على سبيل التهديد كقول السيد لعبده الذي أساء إليه سرا : يا فلان أنا أعلم سرك وعلانيتك ، فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك ، وكل هذا الخير الذي هيأته لك ، ولا تأمن تأديبي ، فكأنه تعالى يقول : يا أيها الكفّار أنا عالم بسركم وجهركم وضمائركم ، فخافوني ؛ فإن الأرض التي هي قراركم أنا ذللتها لكم ، ولو شئت خسفت بكم . والذّلول : المنقاد الذي يذلّ لك ، والمصدر الذل وهو اللين والانقياد ، أي : لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة . وقيل : يثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها ، ولو كانت تتكفأ متمايلة لما كانت منقادة لنا . وقيل : إشارة إلى التمكن من الزرع ، والغرس ، وشق العيون ، والأنهار ، وحفر الآبار ، وبناء الأبنية ، ولو كانت صلبة لتعذر ذلك . وقيل : لو كانت مثل الذّهب والحديد لكانت تسخن جدا في الصيف ، وكانت تبرد جدا في الشتاء « 1 » . قوله :
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها
. هذه استعارة حسنة جدا . وقال الزمخشري « 2 » : مثل لفرط التذليل ، ومجاوزته الغاية ؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير ، وأنهاه عن أن يطأه الراكب بقدمه ، ويعتمد عليه ، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك .

فصل في هذا الأمر

هذا أمر إباحة ، وفيه إظهار الامتنان . وقيل : هو خبر بلفظ الأمر ، أي : لكي تمشوا في أطرافها ، ونواحيها ، وآكامها وجبالها .
هامش
( 1 ) ينظر : القرطبي 18 / 140 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 4 / 580 .