تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه ، ثم بين عذره في سورة « التوبة » ، وفي هذا دلالة على تفضيل نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم على سائر الأنبياء ؛ لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] ، وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام استثني بعض أفعاله ، وذلك إنما جرى ؛ لأنه ظن أنه أسلم ، فلما بان أنه لم يسلم تبرّأ منه ، وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم ، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظّن فلم توالوهم ؟ . قوله :
وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
هذا من قول إبراهيم لأبيه ، أي : ما أدفع عنك من عذاب اللّه شيئا إن أشركت به « 1 » . قوله :
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا
. يجوز أن يكون من مقول إبراهيم والذين معه ، فهو من جملة الأسوة الحسنة ، وفصل بينهما بالاستثناء ، ويجوز أن يكون منقطعا مما قبله على إضمار قول ، وهو تعليم من اللّه تعالى لعباده ، كأنه قال لهم : قولوا :
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا
أي : اعتمدنا
وَإِلَيْكَ أَنَبْنا
أي : رجعنا
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
أي : الرجوع في الآخرة « 2 » .
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
. أي : ولا تظهر عدوّنا علينا ، فيظنوا أنهم على حقّ ، فيفتنوا بذلك وقيل : لا تسلّطهم علينا ، فيقتلوننا ويعذبوننا « 3 » . وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ، ولا بعذاب من عندك ، فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك . وقيل : لا تبسط [ عليهم ] « 4 » الرزق دوننا ، فإن ذلك فتنة لهم . وقيل :
لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً
أي : عذابا أي : سببا يعذب به الكفرة ، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام « 5 » :
وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
. قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ
أي : في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء
« أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ »
أي : في التّبرّي من الكفّار . وقيل : كرر للتأكيد . وقيل : نزل الثاني بعد الأول بمدة . قال القرطبي « 6 » : وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه . قوله :
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ
.
هامش
( 1 ) السابق 18 / 39 . ( 2 ) الدر المصون 6 / 305 . ( 3 ) ينظر : القرطبي 18 / 39 . ( 4 ) في أ : لهم . ( 5 ) ينظر : التفسير الكبير 29 / 262 . ( 6 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن 18 / 39 .