تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
قوله تعالى :
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا .
في « إذ » هذه ثلاثة أقوال « 1 » : أحدها : أنها على بابها من المعنى : أنكم تركتم ذلك فيما مضى ، فتداركوه بإقامة الصّلاة . قاله أبو البقاء « 2 » . الثاني : أنها بمعنى « إذا » كقوله تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
[ غافر : 71 ] وتقدم الكلام فيه « 3 » . الثالث : أنها بمعنى « إن » الشرطية ، وهو قريب مما قبله ؛ إلا أن الفرق بين « إن » ، و « إذا » معروف .

فصل في معنى الآية [ « فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . . . »

] المعنى : فإن لم تفعلوا ما أمرتم به ،
« وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ »
أي : ونسخ اللّه ذلك الحكم ، ورخص بكم في ألّا تفرطوا في الصّلاة والزكاة ، وسائر الطاعات ، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به ، وهذا يدل على جواز النسخ قبل الفعل . قال القرطبي « 4 » : وما روي عن علي - رضي اللّه عنه - ضعيف ؛ لأن اللّه - تعالى - قال :
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا
وهذا يدلّ على أن أحدا لم يتصدق بشيء .

فصل في أنّ الآية لا تدل على تقصير المؤمنين

فإن قيل : ظاهر الآية يدل على تقصير المؤمنين في ذلك التكليف ، وبيانه من وجوه : الأول : قوله تعالى :
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا
يدل على تقصيرهم . الثاني : قوله تعالى :
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا .
الثالث : قوله عز وجل :
وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ .
فالجواب : قال ابن الخطيب « 5 » : ليس الأمر كما قلتم ؛ لأن القوم لم يكلفوا بأن يقدموا على الصّدقة ، ويشتغلوا بالمناجاة ، بل أمروا أنهم لو أرادوا المناجاة ، فلا بد من تقديم الصّدقة فمن ترك المناجاة ، فلا يمكن أن يكون مقصرا ، فأما لو قيل بأنهم ناجوا من غير تقديم الصدقة ، فهذا أيضا غير جائز ؛ لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من المناجاة فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة ، فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم .
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 6 / 289 . ( 2 ) ينظر التبيان ص 1213 . ( 3 ) تفسير سورة غافر . آية ( 71 ) . ( 4 ) ينظر الجامع لأحكام القرآن 17 / 196 . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 29 / 237 .