تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨

فصل فيمن اعتبر الصدقة واجبة أو مندوبة « 1 »

ظاهر الآية يدلّ على أن تقديم الصّدقة كان واجبا ؛ لأن الأمر للوجوب ، ويؤكد ذلك بعده قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وهذا لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه . وقيل : كان مندوبا بقوله تعالى :
ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ
وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الواجب ، ولأنه لو كان واجبا لما أزيل وجوبه لكلام متصل به وهو قوله تعالى :
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا
[ إلى آخر الآية ] « 2 » .
هامش
- مبني على التفقه في بعض الأحكام المنصوصة ومعرفة قصد الشارع فيها إلى مصلحة بعينها ، حتى إذا وجدت هذه المصلحة في واقعة أخرى أخذت حكم الواقعة المصرح بها . ولا نزاع في عدم الاعتداد بالمصالح التي قام الدليل الشرعي على إلغائها ، والشارع الحكيم لا يلغي مصلحة إلا إذا عارضتها مصلحة أرجح منها ؛ أو استتبعت مفسدة لا يستخف بأمرها ، ومثال هذا الاستسلام للعدو : قد يبدو أن فيه مصلحة حفظ النفوس من القتل ، ولكن الشارع رأى أن هذه المصلحة مغمورة بالمفاسد من كل جانب ، فلم يعتد بها وأذن في دفاع العدو نظرا إلى مصلحة أرجح منها ، وهي احتفاظ الأمة بالعزة والكرامة والتمكن من المسابقة في مضمار الحياة . ومن هذا الباب تعدد الزوجات : يتبعه من الضرر أن تتألم المرأة من أن تشاركها في صلة الزوجية امرأة أخرى ، ففي ترك التعدد مصلحة هي قطع وسيلة استياء الزوجة ، ولكن الشارع ألغى هذه المصلحة مكتفيا بما اشترطه من العدل بين الزوجات ، وأباح التعدد نظرا إلى ما قد يترتب عليه من المصالح ، كتكثير النسل ، ومساعدة الرجل على تجنب الحرام الذي قد يقع فيه صاحب الزوجة الواحدة إذا عرض مانع من التمتع بها مثل المرض والنفاس . ويبقى النظر في المصالح التي لم يقم دليل معين على رعايتها أو على إلغائها ، وهذه هي التي تسمى المصالح المرسلة ، وقد اعتد بهذه المصالح كثير من الفقهاء ، وبنوا بعض الفتاوى على رعايتها ، والجاري على بعض الألسنة والأقلام أنها أصل من أصول المذهب المالكي ، والواقع أن لها يدا في سائر المذاهب المعول عليها ، وللمالكية القسط الأوفر في استثمارها ، قال ابن دقيق العيد : الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ، ويليه أحمد بن حنبل ، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة ، ولكن لهذين ترجيح في استعماله . وقال البغدادي في « جنة الناظر » : لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في المصالح ، فإن مالكا يقول : إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره ، أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياته وكلياته ، وأن لا مصلحة إلا وهي معتبرة في جنسها ، لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة ، وما حكاه أصحاب الشافعي عن الشافعي لا يعدو هذه المقالة . ولهذه القاعدة أمثلة مسوقة في كتب الأصول من فتاوى السلف وأقضيتهم . ينظر : البحر المحيط للزركشي 6 / 76 ، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 4 / 139 ، نهاية السول للإسنوي 4 / 385 ، منهاج العقول للبدخشي 3 / 184 ، التحصيل من المحصول للأرموي 2 / 331 ، المنخول للغزالي 353 ، الإبهاج لابن السبكي 3 / 188 ، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى 2 / 289 ، إرشاد الفحول للشوكاني 241 . وينظر المختصر لابن اللحام ( 162 ) ، وتقريب الوصول ( 148 ) . ( 1 ) ينظر : التفسير الكبير 29 / 236 . ( 2 ) سقط من أ .