تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
وقال الحسن والربيع :
« فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة ، وأصحاب المشأمة : المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة . وفي صحيح مسلم من حديث « الإسراء » عن أبي ذرّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « فلمّا علونا السّماء الدّنيا ، فإذا رجل عن يمينه أسودة ، وعن يساره أسودة ، قال فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، قال : فقال : مرحبا بالنبيّ الصّالح والابن الصّالح ، قال : فقلت : يا جبريل من هذا ؟ . قال : هذا آدم - عليه الصلاة والسلام - وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله بنوه فأهل اليمين أهل الجنّة ، والأسودة الّتي عن شماله أهل النّار » وذكر الحديث « 1 » . وقال المبرد :
« فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
أصحاب التقدم ، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخّر والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي : اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين « 2 » . ثم عجب نبيه صلى اللّه عليه وسلم فقال :
« ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
وهذا كما يقال : « زيد ما زيد » ، يريد « زيد شديد » فالتكرير في
« ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
، و
« ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ »
للتّفخيم والتعجّب ، كقوله :
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ ،
و
الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ
كما يقال : « زيد ما زيد » . وفي حديث أم زرع رضي اللّه عنها : « مالك ، وما مالك ؟ » « 3 » . والمقصود : تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ، وأصحاب المشأمة من العقاب . والفاء في قوله : « فأصحاب » تدل على التقسيم ، وبيان ما ورد عليه التقسيم ، كأنه قال : أزواجا ثلاثة : أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، والسابقون ، وبين حال كل قسم فقال :
« ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
وترك التقسيم أولا ، واكتفى بما يدل عليه بأن تذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها . فإن قيل : ما الحكمة في اختيار لفظ « المشأمة » في مقابلة « الميمنة » مع أنه قال في بيان أحوالهم
« وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ »
؟ . فالجواب : أنّ اليمين وضع للجانب المعروف ، واستعملوا منها ألفاظا في مواضع فقالوا : « هذا ميمون » تيمنا به ، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه ، ولفظ الشمال في مقابلته ، واستعملوا منه ألفاظا تشاؤما به ، فذكر « المشأمة »
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : القرطبي 17 / 129 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 9 / 163 ) كتاب النكاح ، باب : حسن المعاشرة مع الأهل رقم ( 5189 ) ومسلم ( 4 / 1896 ) كتاب فضائل الصحابة ، باب ذكر حديث أم زرع حديث ( 92 / 2448 ) من حديث عائشة .