تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
فالجواب : أن الضلال يكون أكثر ضلالا من الطريق فإذا تمادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد كثيرا ، وإذا عدم « 1 » الضلال قصرت الطريق عن قريب فلا يبعد عن المقصد كثيرا فقوله :
« ضَلالٍ بَعِيدٍ »
وصف للمصدر بما يوصف به الفاعل ، كما يقال : كلام صادق ، وعيشة راضية أي ( و ) « 2 » ضلال ذو بعد والضلال إذا بعد مداه وامتد الضلال فيه فيصير بيّنا ويظهر الضلال لأن من حاد عن الطريق ( وبعد عنه يبعد عليه الصواب « 3 » ولا يرى للمقصد أثرا فبيّن له أنه ضلّ عن الطريق ) وربما يقع في أودية ومفاوز تظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلا ، فالضلال وصفه اللّه بالوصفين في كثير من المواضع ، فتارة قال :
« لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » *
، وأخرى :
« فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ »
. فإن قيل : كيف قال :
ما أَطْغَيْتُهُ
مع أنه قال :
« لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » *
؟ فالجواب من ثلاثة أوجه تقدم منها وجهان في الاعتذار عما قاله الزمخشري . والثالث : أن المراد من قوله :
« لَأُغْوِيَنَّهُمْ » *
أي لأديمنّهم على الغواية كما أنّ الضالّ إذا قال له شخص : أنت على الجادّة فلا تتركها ، يقال : إنه يضله . كذا ههنا ، فقوله :
« ما أَطْغَيْتُهُ »
أي ما كان ابتداء الإطغاء منّي « 4 » . قوله :
« لا تَخْتَصِمُوا »
استئناف أيضا كأن قائلا قال : فماذا قال اللّه له ؟ فأجيب : يقال لا تختصموا « 5 » وقوله :
« لَدَيَّ »
يفيد مفهومه أنّ الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور ، والوقوف بين يديّ « 6 » . قوله :
« وَقَدْ قَدَّمْتُ »
جملة حالية ، ولا بدّ من تأويلها ، وذلك أن النهي في الآخرة وتقدمه الوعد في الدنيا ، فاختلف الزمنان فكيف يصح جعلها حالية ؟ وتأويلها هو أن المعنى وقد صح أني قدّمت وزمان الصحة وزمان النهي واحد « 7 » . و
« قَدَّمْتُ »
يجوز أن يكون
« قَدَّمْتُ »
على حاله متعديا والباء مزيدة في المفعول أي قدمت إليكم الوعيد ، كقوله تعالى :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
[ المؤمنون : 20 ] على قول من قال بزيادتها هناك . وقيل : الباء هنا للمصاحبة ، كقولك : اشتريت الفرس بلجامه وسرجه أي معه فكأنه قال : قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد عليّ تركه والإنذار « 8 » .
هامش
( 1 ) كذا في النسختين وفي الرازي : علم . ( 2 ) زيادة من النسختين لا معنى لها . ( 3 ) ما بين القوسين سقط من الأصل بسبب انتقال النظر . ( 4 ) وانظر تفسير العلامة الفخر 28 / 168 . ( 5 ) قاله أبو حيان في البحر 8 / 126 والزمخشري في الكشاف 4 / 8 . ( 6 ) وهو قول الرازي في تفسيره الكبير السابق 28 / 169 . ( 7 ) بالمعنى من الكشاف 4 / 8 والبحر 8 / 128 . أقول : وصحة التقديم بالحال على هذا التأويل مقارنة . ( 8 ) في ( ب ) بالإنذار - بالباء - وانظر الرازي 28 / 169 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 34 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب