تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣

فصل [ في الجواب على الآية : « رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ »

] هذا جواب لكلام مقدر ، كأن الكافر حين يلقى في النار يقول : ربنا أطغاني شيطاني ، فيقول الشيطان : ربنا ما أطغيته بدليل قوله تعالى :
لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ؛
لأن المخاصمة تستدعي كلاما من الجانبين ونظيره قوله تعالى في سورة « ص » :
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ
[ ص : 60 ] إلى قوله :
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
« 1 » [ ص : 64 ] . قال الزمخشري : وهذا يدل على أن المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد « 2 » ، وعلى هذا فيكون قوله :
« رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ »
، مناقضا لقوله : أعتدته . قال ابن الخطيب : وللزمخشري أن يجيب بوجهين : أحدهما : أن يقول : ( إن قول ) « 3 » الشيطان : أعتدته بمعنى زيّنت له . والثاني : أن تكون الإشارة إلى حالين ، ففي الحالة الأولى أنا فعلت به ذلك إظهارا للانتقام من بني آدم وتصحيحا لقوله :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 82 ] ثم إذا رأى العذاب وهو معه مشترك يقول : ربّنا ما أطغيته فيرجع عن مقاله عند ظهور العذاب « 4 » . قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل : المراد بالقرين هنا : الملك أي يقول الكافر : ربّ إن الملك زاد عليّ في الكتابة فيقول الملك : ربّنا ما أطغيته يعني ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل
« وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ »
أي طويل لا يرجع عنه إلى الحق « 5 » . فإن قيل : القائل هنا واحد وقال : ربّنا ما أطغيته ولم يقل : ربّ وفي كثير من المواضع القائل واحد وقال : ربّ ، كقوله :
رَبِّ أَرِنِي
[ البقرة : 260 ] وقال نوح :
رَبِّ اغْفِرْ لِي
[ نوح : 28 ]
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ
[ نوح : 26 ]
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ
[ يوسف : 33 ]
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً
[ التحريم : 11 ]
« رَبِّ فَأَنْظِرْنِي » *
« 6 » . فالجواب : أن في جميع تلك المواضع القائل طالب ، ولا يحسن أن يقول الطالب يا رب أعطني وإنما يحسن أن يقول : أعطنا لأن كونه : « ربّا » لا يناسب تخصيص الغالب . وأما هنا فالموضع موضع هبة وعظمة وعرض حال فقال : ربنا ما أطغيته . فإن قيل : ما الوجه في اتّصاف الضّلال بالبعد ؟
هامش
( 1 ) وانظر الرازي السابق . ( 2 ) انظر الكشاف 4 / 7 . ( 3 ) زيادة من ( أ ) . ( 4 ) وانظر الرازي 28 / 169 ، 170 . ( 5 ) البغوي والخازن 6 / 236 و 237 . ( 6 ) في النسختين تبعا للرازي : « قال رب انظرني وهذا لحن فالقرآن : « ربّ » بلفظ الرب فأنظرني » وهي الآية 36 من الحجر و 79 من سورة « ص » .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 33 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب