تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وقد تنازع أهل السنة والقدرية في الاستدلال بهذه الآية ، فأهل السنة يقولون : كلّ شيء مخلوق للّه تعالى ، ودليلهم قراءة النصب ؛ لأنه لا يفسر في هذا التركيب إلا ما يصحّ أن يكون خبرا لو رفع الأول على الابتداء . وقال القدريّة : القراءة برفع « كل » و « خلقناه » في موضع الصفة ل « كلّ » أي أمرنا أو شأننا كلّ شيء خلقناه فهو بقدر أو بمقدار . وعلى حد ما في « 1 » هيئته وزمنه ( وغير ذلك ) « 2 » . وقال بعض العلماء في القدر هنا وجوه : أحدها : أنه المقدار في ذاته وفي صفاته . الثاني : ( أنه ) التقدير لقوله :
فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
[ المرسلات : 23 ] وقال الشاعر :
4614 « 3 » - . . . * وقد قدر الرّحمن ما هو قادر « 4 »
أي ما هو مقدّر . الثالث : القدر الذي يقال مع القضاء ، كقولك : كان بقضاء اللّه وقدره ، فقوله : ( بقدر ) على قراءة الناصب متعلق بالفعل الناصب « 5 » ، وفي قراءة الرفع في محلّ رفع ، لأنه خبر ل « كلّ » و « كلّ » وخبرها في محل رفع خبر « لإنّ » . وسيأتي قريبا أنه عكس هذه ؛ أعني في اختيار الرفع وهي « 6 » قوله تعالى :
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
« 7 » [ القمر : 52 ] ، فإنه يختلف في رفعه ، قالوا : لأن نصبه يؤدي إلى فساد المعنى لأن الواقع خلافه ، وذلك أنك لو نصبته لكان التقدير : فعلوا كلّ شيء في الزّبر . وهو خلاف الواقع ، إذ في الزبر أشياء كثيرة جدا لم يفعلوها . وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابت في الزّبر . وهو المقصود فلذلك اتفق على رفعه . وهذان الموضعان من نكت المسائل الغريبة التي اتّفق مجيئها في سورة واحدة ومكانين متقاربين ، ومما يدل على جلالة علم الإعراب وإفهامه المعاني الغامضة .
هامش
( 1 ) في ب ماهيته وفي البحر : على حد ما في هيئته وزمنه وانظر البحر 8 / 183 . ( 2 ) زيادة لتجميل السياق وتوضيحه . ( 3 ) سقط سهوا عند الترقيم الرقم 4613 . ( 4 ) عجز بيت من الطويل نسبه صاحب اللسان إلى إياس بن مالك بن عبد اللّه المعنيّ صدره :. . . كلا ثقلينا طامع بغنيمةوجاء بالبيت ليبين أن القدر بمعنى التقدير . وانظر الرازي 15 / 74 ، والبحر المحيط 8 / 183 واللسان « قدر » 3548 . ( 5 ) وهو « خلقناه » . ( 6 ) في ب هو . ( 7 ) وانظر معنى القدر في الرازي 15 / 74 والبحر 8 / 183 .