تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
وأيضا فالذي يحزن غاية الحزن قد يضحك وقد يخرج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لا يقدرون على تعليلها بتعليل صحيح . وأيضا عند الخواص كالتي في المغناطيس وغيره ينقطع الطبيعيّ كما ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوّض أمره إلى قدرة اللّه وإرادته عند أوضاع الكواكب .

فصل [ في أن المراد بقوله « إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى »

إثبات الوحدانية ] إذا قيل : بأن المراد بقوله تعالى :
إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
إثبات الوحدانية فهذه الآيات مبيّنات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة اللّه تعالى ، فإن من الفلاسفة من يقول : بأنّ اللّه المنتهى وأنه واحد لكن يقول : بأنه موجب لا قادر فقال تعالى : هو أوجد ضدّين الضّحك والبكاء في محلّ واحد على التعاقب والتراخي ، والموت والحياة ، والذّكورة والأنوثة في مادة واحدة ، وذلك لا يكون إلا من قادر يعترف به كلّ عاقل . وإن قيل : بأن المراد بالمنتهى بيان المعاد فهو إشارة إلى أن الإنسان كما كان في الدنيا في بعض الأمور ضاحكا وفي بعضها باكيا محزونا كذلك في الآخرة « 1 »

فصل [ في دلالة هذه الآية « وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى »

على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضاء اللّه وخلقه ] هذه الآية تدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضاء اللّه وخلقه حتى الضّحك والبكاء قال مجاهد والكلبي : أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار ، وقال الضحاك : أضحك الأرض بالنبات ، وأبكى السماء بالمطر ، وقال عطاء بن أبي مسلم « 2 » : يعني أفرح وأحزن ؛ لأن الفرح يجلب الضّحك والحزن يجلب البكاء « 3 » .

فصل [ في معنى قوله : « وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى »

] روى مسلم عن عائشة - ( رضي اللّه عنها ) « 4 » - قالت : واللّه ما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إن الميت ليعذب ببكاء أهله ، ولكنه قال : إن الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذابا ، وإن اللّه لهو أضحك وأبكى ، وما تزر وازرة وزر أخرى « 5 » . وعنها قالت : مر النبي - صلى اللّه عليه وسلم - على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، فنزل جبريل - عليه الصلاة والسلام - فقال يا محمد : إن اللّه يقول لك : إنه هو أضحك وأبكى فرجع إليهم فقال : ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال : إيت هؤلاء فقل لهم إن اللّه يقول : هو أضحك وأبكى أي قضى أسباب الضّحك والبكاء « 6 » .
هامش
( 1 ) بالمعنى كل هذا من تفسير الإمام 15 / 19 و 20 . ( 2 ) سبق التعريف به . ( 3 ) البغويّ والخازن في تفسيريهما 6 / 270 . ( 4 ) زيادة من أ . ( 5 ) روي : « لا واللّه ما قال رسول اللّه قطّ » . ( 6 ) وانظر القرطبي 17 / 11 وصحيح مسلم .