تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى :
وَأَنَّهُ خَلَقَ
ولم يقل : « وأنّه هو خلق » كما قال :
« وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى »
؟ فالجواب : أن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنه بفعل الإنسان ، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاجّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام
قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] فأكد ذلك بالفصل . وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بفعل واحد من الناس ، فلم يؤكد بالفصل ، ألا ترى إلى قوله :
« وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى »
حيث كان الإغناء عندهم غير مسند إلى اللّه ، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
[ القصص : 78 ] وكذلك قال :
« وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى »
فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره . واختلفوا في الذكر والأنثى هل هما اسمان وهما صفة ؟ أو اسمان ليسا بصفة ؟ فالمشهور عند أهل اللغة أنهما اسمان ليسا بصفة . قال ابن الخطيب : والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات فالذكر كالحسن ، والأنثى كالحبلى والكبرى « 1 » . قوله :
« مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى »
أي تصبّ في الرّحم ؛ يقال : منى الرّجل وأمنى . قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح . وقيل : تقدر ، يقال : منيت الشّيء إذا قدّرته « 2 » . وهذا أيضا تنبيه على كمال القدرة ، لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء يخلق اللّه منها أعضاء مختلفة ، وطباعا متباينة ، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ، ولهذا لم يقدر أحد على أن يدّعيه كما لم يقدر على أن يدّعي خلق السماوات ، ولهذا قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 3 » [ لقمان : 25 ] . قوله :
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى
أي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة . قال ابن الخطيب : يحتمل أن يكون المراد من قوله :
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى
هو نفخ الروح الإنسانية فيه كما قال تعالى :
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ المؤمنون : 13 و 14 ] أي غير خلق النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما . وبهذا الخلق الآخر وهو نفخ الروح تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات فكما قال هناك :
« أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ »
هامش
( 1 ) وانظر في هذا كله تفسير العلّامة الإمام الفخر الرازي 15 / 20 و 21 . ( 2 ) البغوي والخازن 6 / 270 . ( 3 ) انظر الرازي السابق