ثالثها : قوله : رزقا إشارة إلى كونه منعما ليكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة بالمنعم وهو أقبح ما يكون .
فصل [ في المقصود بالآية : « تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ »
]
قال :
« تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ »
فقيّد العبد بكونه منيبا ، لأنّ العبودية حصلت لكل أحد غير أن المنيب يأكل ذاكرا شاكرا للإنعام وغيره يأكل كما تأكل الأنعام ، فلم يخصص بقيد « 1 » .
قوله : « فأحيينا به » أي بالماء و
« مَيْتاً »
صفة ل
« بَلْدَةً »
ولم يؤنث « 2 » حملا على معنى المكان « 3 » . والعامة على التخفيف . وأبو جعفر وخالد بالتّثقيل « 4 » .
فإن قيل : ما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله :
« وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ »
حيث أثبت ( الهاء ) « 5 » هناك ؟
فالجواب : أن الأصل في الأرض الوصف فقال الميتة ، لأن معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل فيها الحياة لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة وأقام بها القوم وعمروها فصارت بلدة فأسقط الهاء لأن معنى « 6 » الفاعلية ظاهر فيثبت « 7 » فيه الهاء ، وإذا كان بمعنى الفاعل لم يظهر لا يثبت فيه الهاء ، ويحقق « 8 » هذا قوله :
بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
[ سبأ :
15 ] حيث أثبت الهاء حيث ظهر معنى الفاعلية ولم يثبت حيث لم يظهر « 9 » .
قوله :
« كَذلِكَ الْخُرُوجُ »
أي من القبور أي كالإحياء الخروج .
فإن قيل : الإحياء يشبه به الإخراج لا الخروج ؟
فالجواب : تقديره أحيينا به بلدة ميتا فتشققت وخرج منها النبات كذلك تتشقق ويخرج منها الأموات .
قال ابن الخطيب : وهذا يؤكد قولنا : إن الرّجع بمعنى الرجوع في قوله :
« ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ »
؛ لأنه تعالى بين لهم ما استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسبه أن يقول : كذلك الإخراج فلما قال : كذلك الخروج فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال : كذلك الرجوع والخروج « 10 » .
هامش
( 1 ) وانظر في هذا كله تفسير الإمام 28 / 158 .
( 2 ) أي الميت .
( 3 ) ولو قال : ميتة لجاز قاله القرطبي في الجامع 17 / 7 .
( 4 ) وهي شاذة .
( 5 ) وهي شاذة ذكرت في البحر 8 / 122 ومختصر ابن خالويه 144 والإتحاف 398 . وما بين القوسين سقط من ( ب ) وفي الرازي : التاء وليس الهاء .
( 6 ) في ( ب ) نص .
( 7 ) وفيها تنبت .
( 8 ) وفيها : وتحقيق .
( 9 و 10 ) وانظر الرازي 28 / 160 .