تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
مذهب الكوفيين لئلّا تصيبوا ، وعلى مذهب البصريين كراهة أن تصيبوا . قال : ويحتمل أن يكون المراد فتبينوا واتقوا « 1 » أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ، فقوله « بجهالة » في تقدير حال أي تصيبوهم جاهلين ، ثم حقق ذلك بقوله :
« فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ »
. وهذا بيان ، لأن الجاهل لا بد وأن يندم على فعله . وقوله : « تصبحوا » معناه تصيبوا . قال النحاة : أصبح يستعمل على ثلاثة أوجه : أحدها : بمعنى دخول الإنسان في الصباح . والثاني : بمعنى كان الأمر وقت الصباح كما يقال : أصبح المريض اليوم خيرا مما كان يريد كونه في وقت الصبح على حالة خير . الثالث : بمعنى صار كقوله : « أصبح زيد غنيّا » أي صار من غير إرادة وقت دون وقت « 2 » . وهذا هو المراد من الآية . وكذل ك « أمسى وأضحى » . قال ابن الخطيب : والصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم وقد تكون في آخر الأمر بمعنى آل الأمر إليه ، وقد تكون متوسطة ؛ فمثال الأول قولك : صار الطّفل فاهما أي أخذ فيه وهو في الزيادة . ومثال الثاني قولك : صار الحقّ بيّنا واجبا أي انتهى حدّه . ومثال الثالث قولك : صار زيد عالما إذا لم ترد أخذه فيه ولا بلوغه ونهايته بل كونه ملتبسا به . وإذا علم هذا فنقول : أصل استعمال أصبح فيما يصير الشيء بالغا في الوصف نهايته « 3 » وأصل أضحى التوسط ، لا يقال : أهل الاستعمال لا يفرقون بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحدا ، لأنّا نقول : إذا تقاربت المعاني جاز الاستعمال ، وجواز الاستعمال لا ينافي الأصل ، وكثير من الألفاظ أصله معنى واستعمل استعمالا شائعا فيما يشاركه . وإذا علم هذا فقوله تعالى : « فتصبحوا » أي فتصيروا آخذين في الندم ثم تستديمونه ، وكذلك في قوله :
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
[ آل عمران : 102 ] أي أخذتم في الأخوّة وأنتم فيها زائدون مستمرّون . قوله : « نادمين » الندم همّ دائم ، والنون والدال والميم في تقلبها لا تنفكّ عن معنى الدوام كقول القائل : أدمن في الشّرب ومدمن أي أقام ومنه : المدينة « 4 » .
هامش
( 1 ) الرازي السابق . ( 2 ) وقد ذكر كل هذا الإمام في تفسيره الكبير المرجع السابق . أقول : وقد ذكر الإمام السيوطي في الهمع 1 / 114 ذلك وذكر ظل وأضحى وأمسى وكان قد قال : « ترد كان وأصبح وأضحى وأمسى وظلّ بمعنى صار » . انظر الهمع 1 / 114 . ( 3 ) في الرازي : وأصل استعمال أصبح فيما يصير الشيء أخذا في وصف ومبتدئا في أمر وأصل أمسى فيما يصير الشيء بالغا في الوصف نهايته . ( 4 ) وانظر هذا كله في تفسير الإمام الفخر الرازي 28 / 121 . وانظر دوران مادة النّدم في الكشاف 3 / 560 .