تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
فأوهم بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ »
أنه يريد موسى ، وإنما كان يقصد به فرعون ؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون . والقول الثاني : أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولا فلما قال فرعون ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشاقّ « 1 » فرعون بالحق وقال : يا قوم إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب أي مثل أيام الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود ، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس . قوله :
« مِثْلَ دَأْبِ »
يجوز أن يكون « مثل » بدلا ، وأن يكون عطف بيان « 2 » والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائما لا يفترون عنه . ولا بدّ من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم . والحاصل أنه خوفهم الهلاك في الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة
« وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ »
أي لا يهلكهم قبل إقامة الحجة عليهم ، والمقصود التنبيه على عذاب الآخرة يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلا بأنهم استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء ، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا . قالت المعتزلة : وما اللّه يريد طلما للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم العباد ، ولا يريد الظلم من أحد من العباد البتة ، ولو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالما ، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم البتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد ، لأنه لو خلقها لأرادها ، وثبت أيضا أنه قادر على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم ، وهذا الاستدلال قد تقدم مرارا مع الجواب « 3 » . قوله ( تعالى ) « 4 » :
وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ
التناد تفاعل من النداء يقال : تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضا « 5 » ، والأصل : الياء ، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل « 6 » تناديا - بضم الدال - ولكنهم كسروها ؛ لتصحّ الياء . وقرأت طائفة بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف « 7 » ، وتنادى القوم أي نادى بعضهم بعضا ، قال ( الشّاعر « 8 » - رحمه اللّه - ) :
هامش
( 1 ) بزنة فاعل من شاقّ يشاقق إذا جاهر وخالف . ( 2 ) البيان 2 / 331 والدر المصون 4 / 692 . ( 3 ) وانظر تفسير الإمام فخر الدين 27 / 60 ، 61 . ( 4 ) سقط من ب . ( 5 ) بين في الرعد عند قوله : « مآب » و « متاب » و « عقاب » من الآيات 29 ، 30 ، 32 ، 33 ، 34 أنّ إثبات الياء الوجه والحذف حسن جميل ؛ لأن الكسرة تدل عليها وهو رأس آية وانظر اللباب 4 / 97 ب . ( 6 ) انظر غريب القرآن لابن قتيبة 386 . ( 7 ) لم أجد تحديد من قرأ بها انظر البحر 7 / 464 والدر المصون 4 / 692 . ( 8 ) زيادة من ( أ ) عن ( ب ) .