قوله تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ
هنا أقام ظاهرين مقام مضمرين ، إذ الأصل قالوا لها أي للآيات ولكنه أبرزهما ظاهرين لأجل الوصفين المذكورين . واللام في للحق للصلة .
فصل [ في معنى قوله : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . . . »
]
لما تكلم في تقرير التوحيد ، ونفي الأضداد ، والأنداد تكلم في النبوّة وبين أن محمدا - صلّى اللّه عليه وسلم - كلما عرض عليهم نوعا من أنواع المعجزات قالوا : هذا سحر أي يسمون القرآن سحرا .
قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ »
أم للإنكار والتعجب كأنه قيل : دع هذا واسمع القول المنكر العجيب ثم بين باطلان شبهتهم فقال : « قل » يا محمد
« إِنِ افْتَرَيْتُهُ »
على سبيل الفرض ، فإن اللّه يعاملني بعقوبة باطلان ذلك الافتراء ، وأنتم لا تقدرون على دفعه فكيف أقدر على هذه الفرية ؟ يعني لعقابه ، وهو المراد بقوله :
« فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً »
أي لا تقدرون أن تردوا عني عذابه ، وإن عذبني اللّه على افترائي ، فكيف أفتري على اللّه من أجلكم ؟ ! ونظيره :
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
[ المائدة : 17 ]
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
[ المائدة : 41 ] . ثم قال :
« هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ »
أي اللّه أعلم بما يخوضون فيه من التكذيب بالقرآن ، والقول فيه بأنه سحر .
« كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ »
أي القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ويشهد لكم بالكذب
« وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ »
لمن رجع عن الكفر وتاب . قال الزجاج : هذا دعاء إلى التوبة ، ومعناه غفور لمن تاب منكم رحيم به « 1 » .
قوله تعالى :
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 9 إلى 12 ]
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 9 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 )
قوله تعالى :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . . .
لما حكى طعنهم في كون القرآن معجزا بقولهم : إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى كلام اللّه تعالى على سبيل الفرية حكى
هامش
( 1 ) قال : « معناه أنه من أتى من الكبائر العظام ما أتيتم به من الافتراء على اللّه جل وعز وعلا ثم تاب فإن اللّه غفور رحيم » انظر معاني القرآن 4 / 439 .