فزينوا لهم الباطل ، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر . وأجاب الجبّائيّ بأن قال :
لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها « 1 » مطيعين ؛ لأن الفاعل لما يريده منه غيره يجب أن يكون مطيعا له . وأجاب ابن الخطيب : بأنه لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعا له لوجب أن يكون اللّه مطيعا لعباده إذا فعل ما أرادوه « 2 » فهذا إلزام الشيء على نفسه وإن أردت غيره فلا بد من بيانه حتى ينظر فيه هل يصح أم لا « 3 » .
قوله : « في أمم » نصب على الحال من الضمير في « عليهم » والمعنى كائنين في جملة أمم ، وهذا كقوله ( شعرا ) « 4 » :
4364 - إن تك عن أحسن الصّنيعة مأ * فوكا ففي آخرين قد أفكوا « 5 »
أي في جملة قوم آخرين . وقيل : في بمعنى « مع » « 6 » .
فصل [ في معنى قوله : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ »
]
احتجّ أهل السنة بأنه تعالى أخبر أن هؤلاء حق عليهم القول فلو لم يكونوا كفارا لانقلب هذا الخبر الحق باطلا ، وهذا العلم جهلا ، وهذا الخبر الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ، ومستلزم المحال محال فثبت أن صدور الإيمان وعدم صدور الكفر عنهم محال .
قوله ( تعالى ) « 7 » :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ . . . »
الآية اعلم أن الكلام ابتداء من قوله تعالى :
« وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ »
إلى قوله :
« إِنَّنا عامِلُونَ »
.
وأجاب اللّه تعالى عن تلك الشبهة « 8 » واتصل الكلام إلى هذا الموضع ، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهة أخرى فقال :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ »
العامة على فتح الغين وهي تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون من « لغي » بالكسر يلغى ، وفيها معنيان :
أحدهما : من ألغى إذا تكلم باللغو وهو ما لا فائدة فيه « 9 » .
هامش
( 1 ) في ب يفعلونها .
( 2 ) في ب أراده .
( 3 ) نقله الرازي في تفسيره 27 / 119 .
( 4 ) زيادة من ب .
( 5 ) من المنسرح لعروة بن أذينة ، ويروى : « إن تك عن أفضل المروءة » .
والمأفوك : المصروف عن الحق وهو يخاطب إنسانا قد عزف عن صنع الخير ، قائلا إنك لست الوحيد في ذلك فغيرك كثير ممن لا يلتفتون إلى هذا الأشياء الحسنة . وشاهده : « ففي آخرين » حيث تعلق الجار والمجرور بحال محذوف أي فأنت كائنا أو مستقرا في جملة قوم آخرين . وانظر المحتسب 2 / 161 و 267 والبحر المحيط 7 / 493 وإصلاح المنطق 23 ، ولسان العرب أفك 97 والكشاف 2 / 452 ، والدر المصون 4 / 730 والقرطبي 15 / 355 وديوانه 343 .
( 6 ) نقله أبو حيان في البحر المرجع السابق ولم يرتضه .
( 7 ) زيادة من أ .
( 8 ) في ب الشبه .
( 9 ) لسان العرب لغا 4049 .