تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩

فصل [ في المراد بقوله : « وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ »

] لما ذكر قصص الأنبياء لمحمد - عليه السلام « 1 » - أتبعه بما يدل على نبوته فقال :
« وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ »
لأنه « 2 » لفصاحته معجز فيكون من رب العالمين . وأيضا فلأنه إخبار عن الأمم الماضية من غير تعلم البتة ، وذلك لا يكون إلّا بوحي من اللّه تعالى . وأيضا فقوله :
« وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ »
مؤكد لما ذكرنا ، لأن ذكر هذه القصص على ما هي في زبر الأولين من غير تفاوت أصلا مع أنه لم يشتغل بالتعلم والاستفادة دليل على أنه ليس إلا من عند اللّه « 3 » ،
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ »
« 4 » على قلبك يا محمد ، أي « 5 » : فهمك إياه وأثبته في قلبك كي لا تنساه كقوله :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
[ الأعلى : 6 ]
« لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ »
: المخوّفين . وسمي جبريل روحا ، لأنه خلق من الروح . وقيل : لأنه نجاة الخلق في باب الدين ، فهو كالروح التي تستتبع الحياة . وقيل : لأنه روح كله ، لا كالناس في أبدانهم روح « 6 » . وسماه أمينا لأنه مؤتمن على ما يؤديه للأنبياء - ( عليهم السلام « 7 » ) « 8 » - .

فصل [ في نزول جبريل على الأنبياء ]

روي أنّ جبريل - عليه السلام - نزل على آدم - عليه السلام « 9 » - اثنتا عشرة مرة ، وعلى إدريس أربع مرات ، وعلى نوح خمسين مرة ، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة ، وعلى موسى أربعمائة مرة ، وعلى عيسى عشر مرات وعلى محمد - عليه السلام - أربع عشرة ألف مرة . فإن قيل : لم قال :
« عَلى قَلْبِكَ »
وهو إنما أنزل عليه ؟ فالجواب : ليؤكد أنّ ذلك المنزل محفوظ للرسول « 10 » متمكن من قبله لا يجوز عليه التغيير ، ولأنّ القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار ، وأما سائر الأعضاء فمسخّرة له ، ويدل على ذلك القرآن والحديث والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى :
نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ
[ البقرة : 97 ] ،
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ »
،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
[ ق : 37 ] واستحقاق الجزاء ليس إلّا على ما في القلب ، قال تعالى « 11 » :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[ البقرة : 225 ]
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
[ الحج : 37 ] والتقوى في القلب لقوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
[ الحجرات : 3 ] وقوله :
وَحُصِّلَ ما فِي
هامش
( 1 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 2 ) في ب : لأن . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 24 / 165 . ( 4 ) الأمين : سقط من ب . ( 5 ) أي : سقط من ب . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 24 / 166 . ( 7 ) المرجع السابق . ( 8 ) ما بين القوسين في ب : عليهم الصلاة والسلام . ( 9 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 10 ) كذا في الفخر الرازي ، وفي الأصل : والمرسل ، وفي ب : والرسول . ( 11 ) في ب : قال الله تعالى .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 79 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب